#مجزرة_الحولة

بعد العشاء وقبل أن أصبح يتيمة

أنا أسمي وردة محمد الحداد. أعيش في مدينة الحولة. سأقول لكم ما حصل لي ولعائلتي، بعد أن أحتفلت مع عائلتي بمناسبة مولدي ولأتمامي عامي الثامن أقام أهلي حفلة بسيطة وتناولنا فيها قطعة من الحلوى اللذيذة؛ رقصت بعد العشاء مع جدي وجدتي رغم أن الأوضاع لا تسمح بالأحتفال ألا أننا أحتفالنا بسرعة، بينما كانت أختي سهام تذاكر دروسها في الطابق العلوي، دخل أخي كريم وبيدهِ أعلامٌ لسوريا ولافتاتٌ . وكالعادة يستقبلانهِ والداي بالأحضان ثم بالسب واللعن وأحياناً الضرب لتحذيرهم له أكثر من مرة بعدم الخروج ليلاً بسبب الأوضاع.. وكعادة أخي فر منهم و أتجه مسرعاً إلى غرفتهِ.. أنتهى الجميع من تناول العشاء في صمت دون أن يبتسم أحد.. وصعدت على ظهر جدي الذي أوصلني إلى فراشي وتمنى لي نوماً هنيئاً ثم طبع على خدي قبلة دافئة.. وتأكد من تغطيتي بشكل جيد.. وأغلق أنوار الغرفة ثم هم بأغلاق الباب.. فقالت لهُ أختي سهام:” وأنا مالي بوسة  يا جدو”.. ضحك جدي ثم تقدم نحوها وقبلها خدها بحرارة.. وخرج تاركاً أختي تكمل مذاكرتها.

وبعد منتصف الليل أي قرابة الساعة الواحدة ليلاً.. أستيقظتُ بين يدي والدتي وهي تصرخ على أبي وتقول له:“روح لغرفة كريم وصحيه من النوم بسرعة أبل ما يقصفوه”.. نزلت أمي بي وإذا بجدي يقطر دماً من رأسهِ وجدتي تبكي وتلعن.. وضعتني أمي ثم قالت لي“وردة خليك هون ما تتحركي ماشي ماما .. خليكي مع جدو وتيتا “ ثم صعدت مرة أخرى.. ألتفت على جدي ثم سألتهُ:” جدو مين اللي ضربك؟ فقال لي:“ما حدا ضربني” فقلت لهُ:” بيوجعك شي جدو؟” فقال:” لا ياحبيبتي مافي شي أطمني” ثم مد يدهُ اليمنى وأمسك بيدي.. ونزل أبي وأخي كريم من الدرج وهم يركضون.. ثم نزلت أمي وأختي سهام خلفهما.. جلسنا بالقرب من بعض بين بكاء أمي وأختي وبين دعاء جدتي وأبي.. أما أخي كريم فلم يستطع البكاء ولم يحملهُ لسانهُ على الدعاء فعاد إلى غرفتهِ ثم نزل وبيدهِ سلاح.. رأتهُ أمي ثم قامت بسرعة وقالت“كريم أوعي تطلع بره..والله بزعل منك.. لك ما عم تسمع صوت الرصاص برات البيت؟”لم يستمع كريم إلى أي حرف من حروف أمي ثم توجه إلى الباب فلحق بهِ أبي وقال لهُ:“لك منشان الله لا تطلع برات البيت الليلة بس.. وبكرة أعمل ألي بدك اياه.. طيب مشان أمك.. والله أزا طلعت من البيت هلئ ما بعرف شو بدو يصير فيها” فلتفت أخي كريم وعيناه تدمع وأبتسامتهُ ترتجف وقال لأبي:”يا بي ما بيصير هيك.. شو بدك نضل أعدين بالبيت متل النسوان” وما أن فتح الباب حتى أخترق رأس أخي رصاصة من أحد القناصين.. وما أن سمعت أمي صوت الرصاص القريب حتى أحست.. وأتجهت إلى الباب بسرعة كادت تسقط على الأرض منها.. فشاهدت أبي يحتمي خلف الباب ورأس أخي كريم بجانبهِ ويخرج من جبهتهِ الكثير من الدماء.. فصرخت أمي صرخة سقطت منها دموعي دون علمٍ  بي:” كريم.. يبعتلي حمى.. أبني مات”.. وقامت أمي بمحاولة سحب أخي المصاب إلى داخل البيت وأغلاق الباب  بينما أبي يصرخ“كرررريم” وتساندهُ في الصراخ أمي.. وقبل أن تستطيع أمي من سحب أخي إلى داخل البيت تلقت رصاصة من القناص ذاتهِ أصابتها فوق ركبتها اليمنى وسقطت تاركةً جسد كريم يسقط قبلها إلى الارض.. وما أن أحس أبي بأن القناص لم يكتفي بذلك حتى أغلق الباب.. ولكن جسد أخي كريم كان العائق الوحيد.. فلم يستطع أبي أن يغلق الباب ولم يكتفى القناص من أطلاق الرصاص.. فأصبح ينهال على جسد كريم النحيل.. وأصبح كريم يتلقى الرصاص بكل أستسلامٍ وعجز.. وأخذت أمي تصرخ“مات الله يلعنك مات خلص”ودون أن يعلم كلاً من أبي وأمي أتى رجلٌ وقام بسحبهِ خارج البيت.. ولانزال نحن لا نعلم من هو هذا الرجل ولماذا قام بذلك أهو رحمةً بنا.. أم أنهم لم يشفوا غليل القناص فقدموا جثة أخي كهدية له!.. عاد أبي يحمل بين ذراعيهِ أمي التي أختلط لون فستانها بالدم.. وما أن أجتمعنا حولها حتى سمعنا صوت بيت جارنا أحمد يُهدم.. ونحن لا نعلم أن كان أحدٌ بالبيت وأن كانت صدقتي ليلى معهم أم أنها تحت الأنقاض الآن!.. أجتمعنا غير مبالين بالرصاص وبالهدم ندعوا الله أن يكف عنا هذا الحصار .. وبينما كانت أختي سهام تسأل أبي:” بابا أخي كريم وينو ؟ .. كريم مات”.. وبينما كانت جدتي تحاول أسعاف أمي.. طار باب بيتنا وأصطدم بالجدار المقابل له.. وإذا بأربعة جنود مسلحين من الجيش السوري يصرخون“بدكون حرية.. هاي هي الحرية” وأخذ أحد الجنود أمي من بين يدين جدتي وأخذ يضربها فذهب أبي ملبياً أستغاثاتها المكسورة فقام جندي أخر بأطلاق الرصاص على أمي..  وبعد  تحملها أمي رصاصة واحدة لم يستطع جسدها الهزيل أن يرحب برصاصةٍ أخرى فسقطت.. وأخذ أبي يركع لهم ويخضع لأوامرهم.. ولكنهم لم يكترثوا لهُ.. فراحوا يسحبون جدتي وهي التي لا تقوى على المقاومة فأوقفها أمام أعيننا وقال من كان ممسكاً بها ومحاولاً أن يغطى فمها الجميل بيديهِ القذرة“هاي هي الحرية ألي بدكن إياها” فأخذ يمرر السكين على عنق جدتي حتى خرج من بين هذا الشق كمية ضخمة من الدماء التي أخذت تشق طريقها محاولةً النزول إلى الأرض ملطخةً في طريقها بشرة جدتي وتجاعيدها الحنونة.. أخذ جدي وأبي يتوسلان لهم بأن يتركوا البقية.. ولكنهم سحبوهم في المنتصف وجعلوا يضربونهم بأرجلهم المتينة ويشتمونهم بأبشع الكلمات.. كانت حينها أختي سهام تحضنني غير أني لا أحس بها كانت دموعنا لا ترى سوى الغبار من أثار هدم بيتنا الجميل و الدم المنتشر في أرجاء الأرض والنابع من جثة أمي وجدتي الطاهرة.. كان منظرالدم مرعباً لدرجة أنه بدأ يزحف حتى قَبَلَ أرجلنا بكل شجاعةٍ وأنذار.. وبعد أن فرغوا  أو تمللوا من ضرب أبي وجدي قام أحدهم بسحبي من أحضان أختي وجرها بعيداً عني وهي تصرخ غير مستغيثة أو مبالية بما حدث لجدي و أبي أخذت تصرخ بي“وردة أهربي.. أهربي يا وردة لا يمسكوكي”.. ولكني لم أفهم ما كانت تعنية أختي.. كنت لا أزال أنظر إلى وجه أمي المشبع دماً.. وإلى أثار ضرب جدي على ظهرهِ.. هذا الظهر الذي قبل سويعات كان يحملني بكل لطفٍ وسعادة.. ليوصلني إلى سريري بكل أمان..ثم ألتفتُ على أبي الذي لا يقوى على الحراك.. وتذكرت أنهُ لم يتناول اليوم من كعكتي شيئاً معتذراً مني ومتعهداً لي بأنه سيتناولها في الصباح.. ثم ألتفتُ على ثلاجة بيتنا حيث تنام بقايا كعكتي هناك فوجدتها مرميةً أختلطت بالدماء والتراب ولم تعد صالحةً للأكل.. عدت بالنظر إلى جدتي التي فارقت الحياة وهي تقسم نظراتها بيني وبين زوجها الذي أرتفعت روحهُ بعدها بدقائق.. وكأنه رفض الحياة بعدها.. أما أبي فكان ينظر ووجههُ مستلقٍ على الأرض ويبكي.. لا أظنه كان يبكي من الألم رغم ضعف جسدهِ ولكني أعتقد أنه كان يبكي علي فهو لم يكتب لهُ عمر ليرى متى سوف ترسم أبنتهُ أول لوحاتها الفنية.. متى سوف تتخرج من المدرسة وتصبح فنانة مشهورة متى سوف تتزوج؟.. مات أبي وهو لايزال ينظر إلي.. صحيت من غفوتي وهربت بقدرة ربي.. ومن سوء حظي لم يستطع أحد أن يمسك بي!.. وبعد ساعاتٍ من الأختباء طالت ثوانيها بين الخوف وبين البكاء.. ومحاولات يائسة في عدم تذكر ما حدث لأهي.. وعدم محاولة تخمين ما حصل لأختي.. قضيتها بكل موتٍ وحسرة.. كنت صامتة كالموت الذي يحيط بي رغم ثرثرة الرصاص من حولي.. كان بداخلي مئة صرخة وألف أستغاثة ومليون رجاء أن يكون هذا كابوس.. لابأس بالكوابيس إن كانت كذلك.. ولكن رغم محاولاتي بإقناع نفسي أن ماحدث حلماً سأفيق منه.. ألا أنني كلما تذكرت صرخات جدي طالباً ومترحماً من جنود الجيش أن يوقفوا ضربهُ ويباشروا في قتلهِ.. تكبر في رغبة جشعة في الخروج والبحث عنهم في محاولةٍ أنتحارية قد تلحق بي إلى حيث يذهب بقية أهلي.. ألا أنني أتذكر حينها أنني لم أتأكد من مقتل أختي بعد فأحاول تصبير نفسي وتكبيلها بالهدوء الغير مجدي.. كنت أتمنى أن أصبح لبعض الساعات مشلولة الأطراف كي لا تخرج أصوات أرتجافها المرتطمة بأثاث المنزل.. وكأن الله كان ينظر إلى فأنزل علي رحمته وسكينتهُ فأغلاق جفني وأجبرني على النوم.. وكأن أذناي أعتادت على أصوات سقوط الجثث والجدران.. وأصوات الأستغاثة والشتم واللعن والبكاء.. وأصوات الرصاص والمدافع والقنابل.. وكأنها كانت تعزف لي أزعج الألحان الموسيقية.. نمت حتى خرجت الشمس معلنةً صباح لا يشبه الموت في شيء من شدةِ بؤسهِ وكأبتهِ.. أستيقظت في أحد الأدراج وفوقي قطعة كبيرة من الجدار تكاد تقاسمني القليل من الفراغ الذي أنعم بهِ.. سمعت أصوات بكاء جديدة.. ولم أسمع أطلاقاً نارياً.. فعلمت أن الجنود قد رحلوا.. ولكني لم أعلم بعد متى سيأتون مرة أخرى ليتأكدوا من موت الجميع.. وعدم هروب ضحية أخرى مثلي.. سمعت صوت جارنا أبو صالح يصرخ وينادي أبي.. وتصورتهُ تماماً كما تركتهُ ليلة البارحة.. أي قبل ساعات قليلة فقط.. بدأت بالموت من جديد.. بدأت أصرخ لا مستنجدة بل متيقنه أن ما حدث لم يكن حلماً.. ولن أستطيع ممارسة العيش كما أعتدتُ.. صرختُ حتى أحسستُ  بحنجرتي تتمدد وكأنها تبغي الخروج من جلدي.. وما هي ألا لحظات حتى سمعني أبو صالح وحاول بكل جهدٍ أن يكتشف مكاني مستعيناً ببكائي.. وبعد أن رأى أنني تحت الأنقاض.. حدثني“وردة؟ أنتي هون؟ حبيبتي ما تبكي هلأ أنا بطلعك ثواني بس لجيب حدا يساعدني ما تبكي حبيبتي أي؟”.. لم أرغب بالخروج مما كنت فيه كنت أتمنى أن يسقط على جدار أخر فأهرس أو تخرج روحي من شدة الخوف.. ولكنها دقائق فقط حتى رأيت يد العم أبو صالح تمتد لي.. أمسكتها كالتي تريد الخروج من الغرق.. كنت أريد أن أخرج وأشاهد أبي وأمي وجدتي وجدي وسهام وكريم قلقين علي.. على أعينهم أبتسامة تزداد كلما خرج جزء من جسدي من بين هذا الحطام.. ولكنني لم أجد ألا العم أبو صالح وبعض من نجى من أهل الحارة.. خرجت فضمني مخفياً رأسي بين ضلوعهِ محاولاً تغطية عيوني عن هذا المشهد المجرم.. كنت أبكي بين ضلوعهِ وكأنني لم أبكي لساعاتٍ طويلة.. كنت لا أشعر بشيء حتى بدموعي.. كنت كالروح التي أغتصبتها جسد ورفض الجسد أن يمتثل لأوامرها.. أخرجني خارج البيت وتركني بين يد أحدى النساء التي كانت أيضًا تبكي لفقدها أطفالها.. بالرغم من بشاعة الهواء الذي كنت أتنفسهُ ألا أنني تمنيت أن أشتم رائحة أبي كعادتي كل صباح أون أقبل رأس ويد أمي وأن ألعب بجدائل جدتي و أن أتناول أفطاري بين أحظان جدي.. فهربت بسرعة دون أن تستطيع تلك الضعيفة أن تمسك بي.. وعدت إلى منزلنا أو ما تبقى منهُ.. دخلت من النافذة فهي المكان الوحيد المهيئ الآن لدخول والخروج.. توجهت إلى جثة أمي.. وكلما أقتربت خطوة أزداد تلوث حذائي بالدم أكثر وأزدات رائحة العفن قوة.. أقتربت من رأس أمي وقبلتها بدموعي.. كنت أحاول بكل ما أستطيع من قوة أن أنادي عليها.. ولكن شفتاي رفضت كانت مشغولة بالأرتجاف فقط ولم تسمح لي بفعل شيء أخر.. ثم توجهت إلى أبي حاولتُ  أن أقلبهُ على ضهرهِ وفعلت.. وياليتني ما فعلت.. لم أرى شيئًا من جسدهِ.. كان كل شيء أحمر.. وكانت ملابسهُ صلبة.. ليست ناعمة كعادتها.. ربما من تشرب الدم لملابسهِ!.. ورحت أُقَبِلُ خدهُ الذي لم تتمسسهُ قطرةُ دم.. وأبكي عليه.. وأتجهت إلى جدتي التي أنفصل عنقها المستقيم وأصبح كالزهرة التي تحركها رياح الربيع.. ضممتها بقوة وأنا أصرخ.. وسمع الناس صرخاتي  أو أن تلك الأم أخبرتهم فتتبعوني.. وحاولوا بكل ضعف أن يجتثوني من قاع الموت وأنا لم أودع جدي بعد.. ألقيت عليهِ النظرات الأخيرة.. كان ضهرهُ كلون العنب.. وكان لدم ثورة في جسدهِ لم تخرج بعد.. ونحن في طريقنا إلى الخارج سقط علينا أحدى الجدران المتأخرة.. فكانت رحمة الله لي أنني ضعيفة وأستسلمت للموت مرحبةً بهِ وكلي رغبة وجشع في أن تخرج روحي قبل الجميع.. وبالفعل حصل ما تمنيت.. أصبحت الآن جثة كبقية أهلي.. أما من معي فلم يصبهم ألا بعض الجروح والكسور التي لم تكن شيئاً ثقيلاً عليهم.. فتناولوني من بين الحطام.. وهم يصيحون”ماتت وردة.. ماتت الله يلعنك يا بشار أنتا وكلابك”.. ثم قاموا بإدخالي إلى أحد المنازل الذي أصبح كثلاجة الموتى.. وفي الحقيقة أن المنزل نفسهُ لايملك ثلاجة.. وضعوني بجانب أطفالٍ كثر.. لم أستطع عدهم ولكنهم كانوا كُثر.. وغطوا جسدي المليئ بالغبار بأحدى الأغطية.. وراح الجميع يترحم علينا.. أخذ بعضهم جوالهُ وأصبح يصورني ويقوم بنزع الغطاء عني ثم يعيدهُ ليغطني من جديد.. وأتى أخر يعد الضحايا.. فكنت الضيحة رقم سبعة وثلاثون.. ولم أستطع سمع باقي العد لإختفاء صوت الرجل بين البكاء واللعنات.. نظرتُ  بجانبي وإذا بطفلٍ يصغرني سناً قطعت عنقهُ وفصلت عن جسدهِ.. تماماً كرأس جدتي.. فعلمت ماذا سوف يحصل لي لو لم أهرب لليلة البارحة.. ثم قام رجل بوضع طفلٍ أخر فوقي وفوق الطفل الذي بجانبي.. أعتقد بأن البيت كان مليئًا بالأطفال وألا لوجدت هذه الجثة مكاناً يليق بها ولم توضع فوق باقي الجثث كقطعة من اللحم.. وبعد ساعاتٍ قام أهل الحارة بوضعنا في القبور بجانب بعضنا البعض في حفرةٍ طويلة وعميق.. ألا أنها كانت ضيقة لكثرة الجثث التي ترغب بالتواجد بيننا.. تذكرت أخي كريم.. وتمثل أمامي وهو في حجرتهِ يذاكر دروسهُ.. فأرتحت قليلاً غير أني تألمت لأنني لم أودعهُ ولم أضمه لأخر مرة.. وقطعت حسرتي أختي سهام.. وهي تقفز كالمجنونة دون وعي إلى القبر وتصرخ بي“وردة.. وردة قومي حبيبتي لا تموتي.. لك ما في حدى ألي بهالدنيا غيرك.. كِلن ماتوا.. دخيلكون ياناس دخيلكون ياعرب”.. وأخذت تصرخ وتبكي.. وختلط وجهي بدموعها وبالدم النازف في وجهها.. وقام أحد الرجل بإخراجها بعيداً وأتى بقطعة قماش ومسح دموع أختي الباردة ودمها الحار عن وجهي..وبدأ الناس برمي التراب علينا وعلى وجوهنا.. سقطت أو رملةٍ في عيني فأحسست ببرودها.. وأرتحت قليلاً.. ثم بدأت أحس بالضيق أكثر وأكثر حتى دُفنتُ تحت التراب.. كأحدى بذور الورد دُفنتُ أنا وباقي الأطفال  كي نزرع غداً لسوريا ورداً جميلاً يفوحُ شذاً وعطراً في أول أيامنا كورودٍ نزين عالم الحرية.

شكراً للفنانة : سلوى أيوب

لتواصل مع الفنانة /

عبر تويتر : @AnamelArt

عبر الأنستقرام : anamelart

عبر الأيميل :  salsa.50@hotmail.com

ما لا تراهُ هي في روتينها!

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

كما وعدتكم.. هذا أول تعاون لي مع الريشة

للفنانة التشكيلية : سلوى أيوب من الكويت

نعست ..

وتسلل الحلم الأبيض إليها ..

تحت ملابس من الصوف تقع مستعمرة من الدفء ..

وعلى سريرٍ اختلفت ألوانهُ ولكنه متجاهلٌ ذلك ..

فنعمة الحصول على ملمس جسدها هو أكبر من أحلام وحدتهِ ..

وعلى أطراف ذاك السرير يتبعثر شعرها برفق منسدل ..

حيث تصمت الأشياء دون نطق أو همس ..

تتنفس وتخرج  الهواء عطراً يذوب من عذوبتهِ ..

يداعبها الحنان عندما يلاصق مسامات جسدها المخملي ..

وعندما تبتسم في منامها يُقَبِلُها رذاذ الطيف بشغف خجول  ..

تتسارع نسمات الهواء البارد لتقرص جلدها فتسرع لتدفء مكان القرص بيديها الحنونة ..

كل شيء حولها يصرخ سعيداً ألا تلك الأماكن التي تجلس بعيدة عن جسدها

تستيقظ وردةً متفتحة فَـ تشرق شمس الصباح مُناديةً ..

أستيقظوا من النوم أيها الراقدون فالصبح قد أطل بحلةِ الجديدة ..

تتشاءم الوسادة ويسعد الغطاء لبقائه ملتفاً حول جسدها ..

فتذهب بالغطاء إلى حمامِها الوردي ..

يستقبلها الكل برائحتها هي فهي أجمل من كل الروائح ..

تقوم بغسل وجهها بالماء ..

آآه كم أحسد ذلك الماء ..

فرشاة أسنانها المغرورة المحظوظة  !!

ففي كل صباح تعانقها أصابعها ويصل رأسها إلى أعماق فمها اللذيذ

يعود ذلك الماء الجاهل بتلك النعمة التي يعيش فيها ..

ليغرق في فمها وتخرجهُ بكل لُطفٍ و أمتنان ..

تخرج من ذلك الحمام الذي أصبح يعشق دخولها ..

لتقف بطولها الممشوق وعودها المتين أمام أجمل مرآة ..

 في تلك الأثناء تتعارك المرطبات والعطور و مصفف الشعر على يديها السمراء..

فتأخذ ما تحتاج منهم تاركاً الغير يموت في غيظه ..

تذهب راقصاً في خطواتها إلى دولابها الواسع ..

وما أن تفتحهُ حتى تصطف الملابس كاصطفاف جنود العسكر ..

فتقوم بلمس ذلك الفستان الزهري.. فيصبح مبتهجاً

وتتركه حزيناً لتتحسس القميص الأبيض.. فيصيح فرحاً

وتتركه باكياً لتأخذ البدلة الرمادية.. فـ تضيق خجلاً

تقوم بإغلاق دولابها تاركةً الملابس الأخرى التي لم تحظى بلمسة منها تجر أهات القهر والحسرة ..

تذهب الجميلة لإرتداء ما راق لها ذوقها المجرم ..

فهي غير مبالية لتلك العيون التي تقع عليها عندما تراها ترتدي أجمل ما عندها مُخفيهٍ محَاسنها التي بدت أجمل مما أظهرت ..

تخرج بعد أن يغمر الفستان جسدها المثالي ..

لتسمع صرخات تلك الأشياء من ذلك المظهر الرهيب .. ولو أن تلك الأشياء تُسمع لتكسر كل زجاج البيت من حدة الصُراخ

يتغزل الفستان بها بعد أن نام في أحضانها ..

تاركاً تلك الخيوط الخارجة  في غير إرادة منه ترجوه وكلها أمل في عدم السقوط إلى الأرض المشئومة ..

تخرج الأميرة إلى مكان عملها تاركاً البيت  للغزاة من للأشباح والعفاريت ..

حيث يستقبلها من في العمل بإبتسامة تخفي نوايا وأمنيات لطالما تمنت البوح !

تسترق عقارب الساعة النظر إليها كلما نظرت إليها ..

يأتي الفراش “محروس” ليضع لها قهوتها ويقول ..

“صباح الخير يا وجه الخير على من صبح عليكِ “

فَـ تنجلي شفتيها لتبتسم لهُ ولكلامهِ المعسول ..

تمسك كيساً من السكر

ويندهش كل من في المكتب من نوافذ و ستائر و أقلامٍ  و أوراق وكنب ..

فكيف لسكرٍ بأن يُمسكَ سُكَراً أخر !!

تقف عقارب الساعة الموضوعة على مكتبها الفاخر ..

ممثلة لها أن ساعات العمل لم تنتهي راجية من تلك المسرحية أن تنال على أعجاب جمهور عيونها فيبقى إلى أن تنتهي المسرحية ..

ولكن المتطفلين لا يتركونها وحيدة !

يدخل أحد الموظفين مبتسماً ليقول لها : سيدتي لقد انتهى وقت العمل ألن تذهبي إلى المنزل ..؟

فتنظر إلى ساعتها التي عادت إلى وضعها الطبيعي كي لا يخالجها الشك فتقوم باستبدالها بأخرى جديدة فَـ تُحرم من ذلك النعيم ..

يتسع مجال عيناها لترى جيداً كم الوقت الآن ..

وما أن ترى الحقيقة حتى تنهض تاركةً أوراقها الدافئة وقلمها الأنيق ..

لتعود إلى المنزل  فتهرب الأشباح  والعفاريت لتستوطن الورود و الأزهار فيه ..

وما أن تصل إلى غرفتها المشتاقة حتى ترى ذلك المنظر الخليع !!

منظر السرير العاري ..

فيشدها التعب و الإرهاق إليه ..

فَـ تسرع لتأخذ حماماً ساخناً لتريح أعصابها ..

وفي حمامها يمتلك البخار أغلب المساحات هناك ..

فهو أشد الكائنات غيرةً عليها ..

تخرج الجميلة من الحمام كخروج أحدى بطلات أفلام السينمائية ..

فخروجها لا يُعد خروجاً عادياً فأنني أكاد أجزم أنهُ مُدرسٌ كـ أحدى الفنون الصعبة إتقانُها ..

تقوم بتغير ملابسها وترتدي ثوب نوم خوخي اللون أقرب إلى الناعم فلا شيء أنعم وأرق من جسدها ..

وترمي بنفسها إلى الفراش الذي أستقبلها بعناق الغائب المشتاق  ..

عندها تختار أحلامها ودائماً ما تختار حلمها الأبيض فهو المفضل لديها حيث لا شيء يستطيع أن يُعكر مزاجها أثناء نومها البريء ..

وما أن يسرق النوم استيعابها مستعيناً باسترخائها التام ..

حتى تغلق أعينها الخجولة ..

ليعود مسلسل ما حدث كل يوم مع فارق تغير الملابس المحظوظه ..

وذلك المتطفل و كمية الماء المحسودة مع اختلاف سعادة كل من في غرفتها.

لتواصل مع الفنانة سلوى أيوب /

عبر تويتر : @AnamelArt

عبر الأنستقرام : anamelart

عبر الأيميل :  salsa.50@hotmail.com

قصتي مع القدر ( 30 ) .. – النهاية -

بعد أسبوعين من اللقاء المستمر مع الهنوف والخروج إلى بعض المطاعم .. يسافر بدر وعمر وزياد إلى الرياض لحضور معرض الكتاب ليومين .. أول عطلة بعد كتابة العقد يكون بدر فيها بعيداً عن الهنوف .. بالرغم من بعد المسافة بينهم ألا أن الرسائل لم تغفو لساعة .. يجلس بدر بجانب زياد الذي يقود سيارتهُ .. ممسكاً هاتفهُ مبتسماً للحظة وضاحكاً للحظات .. يتأمر عمر وزياد على بدر ويقولان له أن يترك هاتفهُ وألا أجبرهُ على القيادة .. يقوم بدر بالأستسلام لهم ويدخل هاتفهُ إلى جيبيه .. وفي لحظة وصولهم إلى الرياض يخرج بدر هاتفهُ ليطمئن الهنوف، فيقول زياد : وهل ستقوم بالأتصال عليها عندما نجد سكناً أم بعد أن ننزل الحقائب .. يضحك عمر وزياد ويلتزم بدر برغبتهِ فيقوم بالاتصال عليها ..

الهنوف : أهلاً يا حبيبي ..

بدر : أهلاً بكِ .. لتو دخلت إلى الرياض .. أردتُ أن أطمئنكِ فقط ..

الهنوف : حمداً لله على سلامتكم ..

بدر : سأتصل بكِ حالما ينام من معي فهم مزعجين كثيراً ..

الهنوف تضحك : حسناً مع السلامة .. أنتبه لنفسك ..

بدر : وأنتِ أيضاً .

يتلفت زياد على بدر ويقول ضحاكاً : ومن أكد لك بأنني سأخلد لنوم هذه الليلة فأنا لن أنام حتى أراك حالماً ..

عمر : لا تنسى يا بدر أننا سوف نقوم بحجز حجرة واحدة ولن تستطيع الهرب من زياد

بدر : لكل حادثٍ حديث .. سنرى لاحقاً من سوف يخلد لنوم أولاً ..

هكذا كانت الرحلة .. يصارع بدر زياد .. وعمر يقف بالمنتصف أحياناً يساند زياد وأحياناً يدافع عن بدر ، وبعد يومين قضاهم بدر في أنحاء الرياض .. لم ينتهي معرض الكتاب بعد ولكن ألتزام بدر بالعمل وزياد وعمر بالجامعة ينص عليهم العودة، يعود بدر وعمر وزياد يوم الجمعة بعد أن تناولوا طعام العشاء .. تأخر الوقت عليهم والتعب عنوان كل موضوع يتحدثون عنه .. يفتح بدر كتاباً للكاتب “توفيق الحكيم” بعنوان ” الرباط المقدس ” .. يقرأ بدر حتى يغلبهُ النعاس ..  يغفو بدر وعمر تاركين زياد يصارع الطريق المظلم لوحدهِ .. هاتف بدر الذي تم الأتفاق على أقفالهِ إلى أن يصل إلى بيتهِ .. كانت الهنوف على علمٍ بذلك فلم يكن هناك أي داعٍ للخوف .. غير أن الطريق لا يأخذ أكثر من ثلاثة ساعات ولقد مر على خروجهم من الرياض أكثر من أربع ساعات .. بدأت الهنوف تقلق .. تفكر في الأتصال على والدة بدر والتأكد من أن بدر في سريرهِ نائماً وناسياً الاتصال عليها .. غير أنها لم تترك الشارع للحظة ولم ترى سوى بعض السيارات المارة ولم تتوقف سيارة واحدة أمام بيت بدر .. تنتظر الهنوف وتصبر داعية الله أن يكون قلقها مجدر خوف طبيعي .. الساعة الآن الثانية بعد منتصف الليل .. لا تستطيع الهنوف أن تمنع قلقلها من السيطرة على تفكيرها .. فتتجرأ وتقوم بالاتصال على والدة بدر .. ولكن والدة بدر لم ترفع السماعة .. قلق الهنوف أصبح شيئاً مرعباً .. تعود للاتصال على والدة بدر مرةً أخرى .. وبعد لحظات من سماع صوت صفارة الرنين ترفع والدة بدر الهاتف مفزوعةً : الهنوف ماذا بكِ ؟ هل حدث لكِ شيء ؟ هل كل من في منزلكم بخير ؟

الهنوف : نحن بخير يا خالة ولكني قلقة على بدر فهو لم يقم بالاتصال علي بعد .. هل تستطيعي أن تتأكدي أن كان نائماً بسريرهِ أم لا ؟

والدة بدر : من المفترض أن يكون نائماً الآن فلقد مر على خروجهم خمس ساعات ..

الهنوف : فقط أريد أن أطمئن عليه ..

والدة بدر : حسناً لكِ ذلك ساتصل عليكِ بعد قليل أو سأجعلهُ يقوم بالاتصال بكِ ..

الهنوف : ذلك أفضل .. أسفةٌ على الازعاج يا خالة فلم أستطع أن أنام وبدأت أقلق كثيراً ..

والدة بدر : لا داعي للأسف يا حبيبتي .. ستسمعين صوتهُ بعد قليل ..

الهنوف : حسناً مع السلامة ..

والدة بدر : مع السلامة .

تغلق والدة بدر الهاتف وتقوم من سريرها خائفاً بعض الشيء .. محاولةً الاتصال على بدر .. تدخل إلى حجرة بدر وتجد سريرهُ مرتباً ولا يوجد أثر للحاقب أو لعودة بدر .. هاتف بدر مغلق .. تسرع إلى حجرتها وتوقظ زوجها والقلق يسكن عيونها .. يستيقظ أبو بدر مفزوعاً مما رأى .. ويحاول أن يفهم ما الذي حدث .. بعد أن أجبرها على الصمت للحظات وأخذ نفسٍ عميق وأخبرها بالتحدث ببطئ شديد حتى يستوعب حديثها .. بدأت بأخبارهِ أن الهنوف كانت قلقةً على بدر وأنه لم يعد إلى البيت بعد .. في تلك الأثناء تتصل الهنوف على والدة بدر للأطمأنان ..

فتدمع وتقول: ماذا أقول لها .. أنا لا أعلم ..

والد بدر : قومي بأخبارها بأن بدر نائماً وأنهُ منهك من السفر ولم أستطع أيقاظهُ من النوم ،  تقوم والدة بدر بفعل ما أمرهُ بها زوجها .. وتغلق الهاتف بقلق مرعب على أبنها .. يحاول والد برد أن يفكر بطريقة يطمئن بها زوجته ..

فيقو لها : هل لديكِ هاتف عمر أو زياد ..

فترد بالنفي  وتقول : ناصر لديهِ هاتف أخو عمر ويستطع أن يأتي لنا برقمهِ .. ذهب والد بدر للحديث مع ناصر وقام ناصر بالاتصال على صديقهِ وأخبرهُ بأن يقوم بإرسال هاتف عمر له ..

وفي حال وصول الرقم تدخل والدة بدر عليهم وتقول : هل عمر بالمنزل ..

فيجيب ناصر : لا عمر لم يصل للمنزل بعد،  يأخذ والد بدر الهاتف من يد ناصر ويقوم بالاتصال على عمر والذي كان يرن دون أجابة .. عينان والدة بدر بدأت تتسعان وتلقيان من الدمع ما يفزع ناصر.. يعود والد بدر الاتصال على عمر الذي لم يرفع سماعة حتى الآن، في الجانب الأخر كانت الهنوف نائمة يُراودها كابوسٌ مرعب .. كابوس ترى فيها نفسها تبكي بحرقة على فقد بدر والذي تم دفنهُ .. تجد نفسها في منزل بدر تصارع والدة بدر بين البكاء وبين الغرق في أشياء بدر الموزعة في حجرتهِ .. تستيقظ الهنوف مرعوبةً من هذا الكابوس تلتفت على يسارها وتنفذ ثلاثاً وتستعيذ بالله من الشياطان ووساوسهِ .. تحاول العودة إلى النوم ولكن لا سبيل للنوم بعد هذا الكابوس المرعب .. بالرغم من أطمأنانها ألا أنها قامت بالاتصال على بدر والذي لا يزال مغلقاً هاتفهُ .. تعود وتحمد الله على كونهُ لايزال على قيد الحياة وينعم بقسطٍ طويلٍ من الراحة .. تقوم الهنوف بالأنشغال بأي شيء أخر فلا نوم يرغب جفنيها، بعد عودة والد بدر من صلاة الفجر يهم بالقيادة إلى الرياض ليرى أن كان هناك أثار حادث أو يستطيع التحدث مع أحد أفراد الشرطة ليتأكد بأنهُ لم يتم التبليغ عن أي حادث على طريق العودة من الرياض .. وفي الطريق إلى الرياض وقبل أن يخرجوا من حدود المنطقة الشرقية يرن هاتف والدة بدر .. وإذا بالمتصل عمر .. يأخذ الهاتف والد بدر ويقوم بالرد :

عمر : السلام عليكم ..

والد بدر : وعليكم السلام .. من معي على الهاتف .. هل أنت عمر ؟

عمر : نعم ..

والد بدر : أين أنتم؟

عمر : نحن في المستشفى ..

والد بدر : هل بدر بخير ؟

عمر : جميعنا بخير هي مجرد كسور بسيطة ..

والد بدر : أريد أن أتحدث مع بدر ..

عمر : بدر الآن في غرفة الأشعة ..

والد بدر : حسناً .. أي مستشفى

عمر : نحن في  مستشفى الأمير سلطان ..

والد بدر : نحن في الطريق إليكم ..

يغلق والد بدر السماعة وتبكي والدة بدر وتقول : لماذا لم تتحدث مع بدر؟ هل هو بخير؟ ماذا حدث له؟

والد بدر : يقول عمر بأنه في غرفة الأشعة .. وأنها مجرد كسور خفيفة .. أطمئني ..

والدة بدر : لن أطمئن حتى أرهُ في عيني ..

يسرع والد بدر بينما يحاول أن يهدأ من روع زوجتهِ التي تقلل من تركيزهِ وتزيد رعبه .. وفي المستشفى يقف زياد بجانب عمر .. أصيب عمر بكسر في الساقهِ اليُسرى ورضوض بسيطة في كتفهِ .. إما زياد فلقد أصيب بكسرور في كتفهِ الأيمن ويدهِ اليُمنى .. يملك كلٌ منهما بعض الجروح الطفيفة على الوجه والأرجل .. تصاب والدة بدر بالذعر عندما لا ترى بدر يقف بجانبهم .. يجبر والد بدر زوجتهُ على الجلوس في أحدى كراسي الأنتظار حتى يعلم ماذا حدث ويأتي لها بالخبر .. يتحدث والد بدر مع زياد وعمر بعد أن يطمئن عليهم .. ويسألهم عن بدر .. ينظر كل من زياد وعمر إلى بعضهم البعض .. يبكي زياد ولا يستطيع أن يتمالك نفسهُ .. يتملك والد بدر الغضب ويصرخ فيهم : أريد أجابة أين أبني ..

عمر : أبنك على قيد الحياة .. لا تقلق فهو على حسب حديث الدكتور محظوظ ..

والد بدر : أين الدكتور؟ أريد التحدث معهُ .. وأين أبني ؟

عمر : الدكتور وأبنك في غرفة العمليات ..

والد بدر : لماذا العملية ؟ ..

عمر : يقول الدكتور أن هناك جروحاً عميقة تحتاج إلى تنظيفٍ وتخييط .. كما يريد أن يتأكد من سلامة جميع أعضاء بدر .. أطمئن فبدر قوي ولن يصيبهُ مكروه أن شاء الله، يعود والد بدر إلى زوجتهِ ليخبرها بأن أبنها بخير وأنه يتم فحصهُ .. لم يستطع أن يقول لها بأنهُ في غرفة العمليات كي لا تسقط أمامهُ .. يعود والد بدر إلى زياد وعمر وليعلم كيف حصل هذا الحادث ! ..

يتحدث زياد وشفتيه ترجفان : كنّا في منتصف الطريق كان عمر يجلس بالخلف وكان بدر بجانبي يقرأ أحد الكتب .. نام عمر وبعد دقائق نعس بدر ونام أيضاً .. كنتُ متعباً والطريق ساكن .. لا يوجد الكثير من السيارات .. لا أعلم ماذا حدث ولكني متأكد بأن بدر لم يضع حزام الأمان .. ( تدمع عينين زياد ) .. غفوت لثواني قليلة لأجد نفسي ملقاً على التراب وأجد بدر على مسافة بعيدةٍ مني مستلقياً على الأرض .. ووجدت أحد الأشخاص بجانب عمر .. قمت بسرعة إلى بدر ولكنهُ لم يتحرك ظننتهُ ميتاً .. يغطي وجههُ كمية كبيرة من الدماء .. جلستُ أصرخ كالمجنون طالباً المساعدة .. فأتاني ذاك الرجل الذي كان يقف عند عمر .. ليخبرني بأنه طلب سيارة الأسعاف وأنها في طريقها إلى هنا .. ذهبتُ لأطمئن على عمر .. وإذا بهِ جالس لا يستطيع النهوض .. لم أشعر بالكسور ألا عندما وصلنا إلى المستشفى ربما بسبب الذعر الذي كنت أعيش فيه .. أرجوك يا عمي سامحني أنا السبب في كل ذلك لو لم ..

يقاطعهُ والد بدر : توقف يا أبني لو تفتح عمل الشيطان .. وأن ما حدث مكتوبٌ  لا يد لك فيه ..

زياد يبكي مرتجفاً : ولكن كان من المفترض أن ..

والد بدر : قلت لك توقف عن الأفتراض .. ما حدث قد حدث والمهم هو سلامتكم جميعاً .. هل والديكم على علم بما حدث لكم ..

عمر : نعم وهم في طريقهم إلينا الآن ..

والد بدر : حسناً ليأخذ كل منكم قسطاً من الراحة الآن فلابد بأنكم متعبون .. وفي حال وصول والديكم ليقوموا بأخذكم إلى البيت فلا حاجة إلى الجلوس هنا ..

زياد : أنا لن أخرج حتى يخرج بدر من المستشفى ..

والد بدر : لا داعي لذلك فكلكم متعبون ..

في تلك الأثناء يأتي الدكتور المشرف على حالة بدر ويقترب منهم قائلاً : هل أنت والد بدر ؟

والد بدر : نعم .. أخبرني كيف حال بدر ؟ وهل أستطيع أن أراه الآن ..

الدكتور : بدر في حالة في تحسن .. حالةُ مستقرةٌ الآن والفضل لله .. ولكن يجب أن تعلم بأن بدر خرج من زجاجة السيارة الأمامية بعد أن كسرها من قوة الصدمة وأرتفع في الهواء ثم سقط على الشارع .. كان سقوطهُ أقوى تأثيراً من خروجهِ من السيارة .. الحمد الله أنهُ لم يكن هناك طرفٌ أخر وأنه كان مجرد أنحرافٍ عن المسار وكسر سياج ولم تكن سيارة أخرى أو شاحنة ضخمة ..

والد بدر : هل أستطيع رؤيتهُ الآن ..

الدكتور : تعال معي أريد أن أريكَ شيئاً قبل أن تدخل عليه ..

يدخل والد بدر إلى مكتب الدكتور ويغلق الباب خلفهُ .. والد بدر لا يزلا متوتراً ولكن لسانهُ لم يتوقف عن ترديد ” لاحول ولا قوة ألا بالله،أنا لله وأنا إليهِ لراجعون،الحمدالله على كل حال” .. يجلس والد بدر وينتظر من الدكتور أن يبدأ الحديث ..

الدكتور : في الحقيقة .. عندما كنّا في العملية كان أبنك مستيقظاً .. يشعر بالألم .. ولكن في المنتصف توقف عن الشعور .. أعتقدُ بأنهُ فارق الحياة ولكن نبضات قلبه لم تتوقف .. وذلك يشير إلى أن أبنك دخل في غيبوبة .. لا يجب عليكَ القلق من ذلك .. الخبر السيء هو أنهُ في حال خروجهِ من الغيبوبة هناك أحتمالٌ كبير .. سأكون واضحاً معك .. أن خرج برد من الغيبوبة لن يستطيع الرؤية من جديد .. وظائف عينيهِ لم تعد تعمل .. الضربة كانت شديدةً على ذهنه .. الحمد الله أن باقي وظائف جسمهِ تعمل .. الحمد الله أن عقلهُ لايزال يعمل .. تلك الضربة كانت شديدة لدرجة أنني ظننت أنهُ قد أصيب بشلل .. ولكن الله لطف بهِ ..

والد بدر يأخذ نفساً عميقاً بعد أن يمسح دمعاتهِ التي لا يريد من الدكتور الأطلاع عليها : هل تقول بأن أبني أصبح أعمى .. ولا يستطيع الرؤية أبداً .. ماذا أقول لوالدةِ التي تبكي عليه على كراسي الأنتظار وهي لم تعلم بعد ماذا حدث له .. تظن بأن بدر بخير ..

الدكتور : أنت مؤمن بالله يا أبو بدر وتعلم أن ماحدث قضاءٌ وقدر .. ولقد أخبرتك سابقاً بأن بدر كان محظوظاً .. أقل شيء قد يحدث لضربة الرأس هو فقد العقل أو أرتجاج بالمخ أو فقد الذاكرة وأشنعها الموت .. أحمد الله على أن أبنك لايزال على قيد الحياة سليماً معافى ..

والد بدر : الحمد الله على كل حال .. حسناً هل أستطيع رؤيتهُ الآن ..

الدكتور : نعم ولكن هناك أمرٌ أخر ..

والد بدر : ما هو ؟

الدكتور : ما تحدثتُ عنه كان الجانب السيء .. الجانب الجيد هو أن بدر بإمكانهُ الرؤية من جديد ولكن ذلك لن يحدث ألا بعملية .. وأن عاد النظر إليهِ مرةً أخرى سيحتاج إلى نظارات طبية طوال عمرهِ .. هذا في حال أن عملية نجحت ..

والد بدر : حسناً لماذا لا نعمل لهُ العملية هنا ؟

الدكتور : هذا النوع من العمليات يحتاج إلى دكتور خبير في ذلك التخصص .. وللأسف نحن لا نملك متخصصين في هذا المجال .. ولا أستطيع تزكية أحد المستشفيات في المملكة لوجود قلة قليلة من الدكاترة في العالم والذين يعملون مثل هذا النوع من العمليات .. وقبل أن أعطيك أسماءً أو أرقاماً يجب أن تعلم بأن العملية لن تنجح ألا عندما يخرج بدر من غيبوبتهِ .. وأن أردت أي مساعدة أو سؤال فقط قم بزيارة مكتبي وأن لم تجدني قم بالاتصال بي ..

ينهض والد بدر ويصافح الدكتور بعد أن أستلم بطاقة عملهِ .. ويستعد لأخبار زوجتهِ وأصدقائهِ  بأخبارٍ لم يصدقها هو بعد .. خرج من مكتب الدكتور ونظر إلى زياد الذي يقف بجانب أهلهِ وعمر كذلك .. فيستغل تلك الفرصة .. أخبرهم بما قاله الدكتور عن حالة بدر وترك أمر الأهتمام بردة الفعل والصدمة لأهلهم .. وذهب ليخبر والدتهُ، والدة بدر مؤمنه وذاك ما جعل والد بدر منفتحاً معها في الحديث عن حالة بدر .. كأي أم في العالم فلقد ذرفت من الدموع ما لم يرهُ والد بدر في حياتهِ .. تلقينها أن ذاك قدرٌ ومكتوب .. وأن فعلها لا ينفع بل يضر .. وأن ما عليها سوى أن ترفع يدها لربها فهو وحدهُ من يستطيع فعل كل شيء . لازالت الهنوف تظن بأن بدر نائم ولم يستيقظ من النوم بسبب تعبهِ ولم يخرج إلى العمل اليوم .. لا تزال قلقةً عليه .. تتصل بهِ مرةً أخرى وتجد هاتفهُ مغلقاً .. تستغرب من ذلك فلقد دخل الليل ولم تسمع منه خبراً ! .. تعود إلى الاتصال على والدة بدر والتي لا تزال في المستشفى بجانب أبنها .. يرن هاتف والدة بدر في حقيبتها فتمد يدها وترى أسم الهنوف يتوسط شاشة الهاتف .. ترفع والدة بدر الهاتف وتخفي حادث أبنها عن الهنوف مستخدماً عذرها بالخروج من المنزل منذ الظهيرة وزارعةً فيها اليقين بأنهُ قد نسى أن يشحن هاتفهُ .. يعود الجميع إلى الدمام تاركين بدر ملقاً على السرير لا يعلم بعد ما قد حدث له، عندما توقف والد بدر أمام المنزل لم تستطع والدة  بدرالدخول إلى المنزل قبل أن تخبر الهنوف بما قد حدث .. تقرع جرس المنزل خائفةً من أن تأتي لهم بمصيبةٍ أخرى .. تفتح حنين الباب ويدخلان إلى المنزل .. تطلب والدة الهنوف كأساً من الماء .. ذهبت حنين إلى المطبخ ونزلت الهنوف من على الدرج .. وجه والدة بدر لا يأتي بخير خصوصاً لما تحولت ملامحها عندما رأت الهنوف .. جلست الهنوف بقربها .. وسألت عن حالها ولما هي متعبة ولماذا عيونها حمراء .. بدأت والدة بدر بحديث عما قد جرى بجرعات خفيفة رغم ضخامتها على أذن الهنوف .. تقاطعهم حنين جالبةً كأس الماء والذي أعطتهُ والدة بدر إلى الهنوف وأرسلت حنين إلى المطبخ لتأتي بأخر لها ..  أستقبلت الهنوف هذا الخبر برعبٍ لم تتصوهُ هي خصوصاً بعد ذاك المنام الذي طردها من السرير هذا الصباح .. أيقنت الهنوف أنها قد فقدت بدر إلى الأبد لذلك لم تتحمل كل ذلك فبكت حتى جُرحَ صوتها وخرجت دموعها أصبحت تتوسل وتقبل يدين والدة بدر تطلبها رؤية بدر .. تريد أن ترى حبها .. لن يشفيها جميع ما سوف تقولهُ والدة بدر .. رغبتها في رؤية بدر والحديث معه لم تهدأ .. حتى قطعت والدة بدر عهداً لها بأنهم سيذهبون غداً وسوف تأتي هي معهم .. تمزق بعد ذلك الوعد كل ما يُعرف بالأمل .. لم تترك والدة بدر أذرع الهنوف ولو للحظة أصبحت تمسك بها كمن ستسقط من على أحد الجسور الهرمة .. لم تعد تشعر والدة بدر بكلتا يديها فأصبحت تضم الهنوف إلى صدرها مُصّبرةً إياها دون أي صّبرٍ يسكن داخلها .. أتت والدة الهنوف بعد ما سمعت الخبر من حنين التي أصبحت تبكي على أختها لتأخذ الهنوف من بين أحضان والدة بدر مخففاً عنها كمية الألم التي أرسلتها الهنوف إلى صدرها الضيق .. خرجت والدة الهنوف من منزلهم وعادت كالعجوز التي تسرق الخطوات الثقيلة من الأرض .. لم يغفى جفن لكل من سمع هذا الخبر حتى حنين نامت بجانب الهنوف تبكي على بدر .. والدة بدر أخذت الليل كلهُ في الصلاة والبكاء .. إما والد بدر أخذ هاتفهُ ليتواصل مع معارفهِ لتعجيل عميلة نقل بدر إلى الدمام .. أما الهنوف فكانت تحتفل بحزنها بكل أخلاص وتفاني .. لم تبكي فقط بل أخذت تشهق بعد كل زفير .. صور بدر .. صور بدر ورسائلهُ وحديثهُ لها و قصائدهُ وأشعارهُ المبعثرة على سطح مكتب جهازها المحمول أصبحوا أصدقائها الجدد .. نامت الهنوف بعد أن أشرقت شمس الصباح لتعلن لها أنها ستعيش حياةً مؤلمةً أن لم تتحسن حالة بدر .. يتجهز الجميع لذهاب إلى بدر .. وفي الطريق يتحدث والد بدر إلى الهنوف مطمئناً إياها أنهُ سينقل بدر إلى الدمام غداً وأنهُ عندما يفيق من غيبوبتهِ سيرسلهُ إلى أفضل الأطباء في الخارج لعمل ما يجب مهما كانت التكاليف .. والهنوف لا ترد ألا بالدعاء والبحمد الله على كل حال .. أمام غرفة بدر يدخل والده أولاً يسلم عليه ويغسل وجههُ ليمسح أثار بقع الدماء البسيطة والتي لا يريد من الهنوف رؤيتها .. يخرج لتدخل والدة بدر والهنوف سويةً .. تمسك والدة بدر الهنوف .. تضع الهنوف يدها الأخرى على فمها الصغير .. ويجري بين أصابها دمعٌ منكسر ذليل .. والدة بدر التي أعتادت على البكاء في مثل هذا الحال تمالكت نفسها فأن بكت سوف تضعف الهنوف وربما تسقط على الأرض .. أصبحت تقودها إليه .. وتأمرها بالسلام عليه .. والتحدث له والدعاء له .. بعد أن تمالكت الهنوف نفسها أخذت تدعي لبدر بجانب والدة بدر .. وبعد عشرة دقائق من الدعاء المستمر مع الدمع المتساقط بإهمال .. تقول الهنوف لوالدة بدر أنها تريد أن تختلي ببدر لدقائق فقط .. وترفض والدة بدر ذلك الطلب لعلمها أنها لن تحتمل الوقوف وحدها .. وبعد أصرار الهنوف على ذلك وافقت والدة بدر وخرجت ونظراتها لا تفارق الهنوف .. بعد أن أغلق الباب عليهم أخذت الهنوف يد بدر الموصولة بالمغذي .. وراحت تشمها وتقبلها  وتمسح دمعها فيها .. أخذت تقول له : بدر يقولون بأنك تستطيع سماعي .. أنا الهنوف يا حبيبي .. زوجتك .. التي تحبك .. حمداً لله على سلامتك من هذا الحادث البشع .. أنا غاضبةٌ منك .. صحيحٌ أنك في حالةٍ لا تسمح لي بالغضب عليك .. ولكني غاضبة ولا أعلم ماذا أفعل .. أنت أخبرتني بأن هناك مطعماً جديداً .. وتريد مني الخروج معك لتجربتهِ .. والآن أنت .. ( يجرح البكاء عينها فتسقط قطراتٌ من الدم على خدها الأبيض ) .. أنا أعلم بأنك لا تحب أن تسمع بكائي أو ترى دموع عيني .. ولكن أقسم لك يا بدر أنني ما أوقفتُ بكائي ألا لسبب .. وهو أنني لن أستطيع سماع صوتك .. أما الآن فما بيدي حيلة .. نعم أنا ضعيفة .. والدموع متنفسي الوحيد .. لذلك سألجأ لهُ حتى تفيق .. أحبك يا بدر ولن أتوقف عن حبك لو توقفت كل أعضائك عن العمل .. غداً سوف تعود معنا إلى الدمام .. هناك سوف أشرف أنا على العناية بك .. أنا لا أثق بكل تلك الممرضات ولا بكل طاقم الأطباء .. فهم لن يقوموا بالأهتمام بك كما سوف أفعل أنا .. تقاطع حديثها دخول الممرضة المشرفة على حالة بدر لتأخذ ضغط بدر و تقيس حرارة كما تفعل كل ساعتين .. يجتاح الحجرة هدوء مخيف .. فقط جهاز تخطيط القلب من يستطيع الكلام في ذلك الوقت .. نغمة مخيفة لدرجة الهلع .. ووجود كل تلك الألات بجانب بدر والمحيطة به والمتصلة به .. ترعب أعين الهنوف .. تدع الهنوف والد بدر والدكتور المراقب مساحة في الحجرة .. تخرج من الحجرة بينما قلبها لا يزال قابعاً في داخل تلك الأغطية البيضاء .. تذهب الهنوف ووالدة بدر إلي المسجد النساء لصلاة المغرب والعشاء .. وبعد ذلك يتناوب الجميع على الدخول إلى الحجرة كل نصف ساعة حتى وقفت عقارب الساعة عند العاشرة مساءً .. عندها عادوا إلى الدمام كي لا يتأخر الوقت .. كما أنهم يجب أن يستيقظوا مبكراً لنقل بدر إلى الدمام وذلك لن يتم ألا بعد توقيع بعض الأوراق وبعض المعاملات المعقدة ، يصل بدر ويحتفل الكل بقربهِ منهم .. تمتلئ المستشفى بجميع الأقارب والأصدقاء ففي قسم النساء تجد والدة بدر والهنوف ووالدتها وحنين وقريبة الهنوف وبعض النساء القريبين من ببدر .. أما في قسم الرجال فهناك والد بدر وأبناهُ ناصر وأحمد وأصدقائهُ المصابين زياد وعمر ووالد الهنوف ووالد عمر وزياد وماجد أيضاً الذي قطع أول تذكرة من دبي وعاد وبعض أصدقائهِ من العمل .. يتوافدون كل يومٍ إلى حجرة بدر هكذا حتى أصبح العدد يقل شيئاً فشيئاً .. المداومين على القدوم لبدر يومياً والدة بدر والهنوف ووالد بدر الذي يوصلهم إلى المستشفى ..  ضّل بدر طريح الفراش لقرابة الشهر .. تخلل في تلك الأشهر زيارة بعض المشايخ وقراء القرآن ليتلوا على بدر بعضاً من الآيات وليمسحوا على صدرهِ ويغسلوهُ بماء زمزم الطاهر ويدعوا له .. في تلك الأيام حدثت أمور سريعة كقبول الهنوف في جامعة الدمام وممارسة حياتها كأحدى الطالبات .. وعودة ماجد إلى دبي لأكمال دراستهِ .. وطرد بدر من عملهِ لظروف صحتهِ التي لا ترغب الشركة بالتورط فيها .. واتصال بدور على زياد بعد سماع ما حدث معهم ورجوعها بين أحضانهِ خائفة من فقدها إياه كما حدث مع بدر والهنوف . وفي أحد الأيام  تدخل الهنوف كعادتها إلى حجرة بدر تلقي السلام عليه وتعتذر لتأخرها لوجود أحدى المحاضرات الطويلة التي كانت عالقةً فيها .. تصافح يد بدر وتقبلها وتُمَرّغُها بخدها الحنون .. وتقترب منهُ لتحفر على جبنيهِ قبلة أمل .. في أحد الأدراج توجد بقاياء أشياء بدر من الحادث .. كمحفضتهِ و هاتفهِ المهشم وبعض الأوراق والمفاتيح .. تتأكد الهنوف من وجود كل شيء وعدم سرقة الممرضات أي شيء .. تخرج محفضتهُ وتتفقدها .. تفتحها وتنظر إلى الفوضى العارمة فيها .. تشرع في ترتيبها لتشغل نفسها في أي شيء يخص بدر .. ترمي بعض الإيصالات البنكية .. وتضع بعض الأوراق التي لا فتهمتها .. رخصة بدر للقيادة التي أصبحت غير مفيدة .. وبطاقةِ الشخصية .. وبطاقة عملهِ المفصول منه .. ترتبها جميعاً وتضعهم بجانبٍ واحد .. تفتح أحد الأوراق العتيقة صفراء اللون والتي يتضح عليها القِدَمّ والتّأكل وتشققات تعاركت عليها أطرافها .. تقرأ فيها ” كُنتُ أتمنى أن أراكَ لمدةٍ أطول ولكن لم أستطع ..” وعلى أحد الزوايا السفلية توقيعاً بأسم – الهنوف – .. تبتسم شفتاه الهنوف ثم تضحك قليلاً .. تتذكر فيها طيشها في الماضي وجنون حبها بهِ .. نزل على الهنوف في ذلك الوقت من الحنين ما لم ينزل عليها طِوَال عُمرِها .. أخذت تمسك يد بدر وتقبلها بجنون وضعف .. يد بدر أصبحت هزيلة ونحيلةً أكثر مما مضى بل جسد بدر بأكملهِ .. فلا غذاء يملئه ولا نعيم يسكنه .. بينما كانت الهنوف تقبل يد بدر تحركت سبابة بدر مما جعل الهنوف تتوقف لتتأكد لأنها مّلت من تخيل ذلك ومّلت من تكدس هذه الحركة في أحلامها .. تنتظر لوهلة تترقب فيها يد بدر وإذا بيدهِ كُلها تتحرك .. تصرخ مسرعةً على بدر بأنها الهنوف أن عليهِ أن يُفيق من نومهِ الطويل .. يسمع الأطباء صُراخها ظانين من تلك الصرخات حدوث مصيبةٍ أخرى .. يدخل عليها الطبيب المسؤل على حالة بدر بعد أن غطت وجهها .. ويتأكد من أستجابة عقل بدر وسلامة جميع الأعظاء والوظائف .. تخرج الهنوف من الغرفة وتتصل بسرعة على والدة بدر لتعجل في القدوم ، يحاول بدر التحدث ولكن الدكتور يقطع جميع محاولاتهِ بأنه يجب أن لا يُتعب جسدهُ الذي لم يعمل منذ أسابيع .. يطلب بدر القليل من الماء فيرفض الدكتور أعطائهُ لعدم أستعداد جهازهِ الهضمي على أستقبال الطعام والشراب .. يسأل الدكتور بدر أسئلة بسيطة لأختبار ذاكرتهِ .. ويجيب بدر بكل تعاون بتحريك رأسهِ فقط .. يستفسر بدر سريعاً عن سبب الظلام الذي يحيط بالمكان .. عندها يبدأ الدكتور شرح حالتهِ وعن الأضرار التي أصيب بها وعن الأحتمالات التي من الممكن أن تعيد البصر لهُ .. وعن المخاطر التي مر بها جسدياً ونفسياً .. وعن حالات أخرى أتت لمستشفى أتعس حظاً منه .. وأنه كان محظوظاً لسلامة باقي أجزاء جسمه .. وعن مدة جلوسهِ في المستشفى .. وأن هناك حالات أخرى أتت إلى المستشفى قَبلهُ بسنوات ولم تنتهي الغيبوبةُ منهم ..  يتقبل بدر الخبر بكل إيمان فهو يقول في نفسهِ بأن الله كتب لي عُمراً جديداً ولولا الله لربما كنت تحت الأرض الآن أو لم أفق من غيبوبتي بعد .. يسأل بدر عن والدهِ وعن والدتهِ فيجيب الدكتور أنهم في الطريق وأن هناك فتاة كانت هنا قبل قليل وخرجت ويسألهُ أن كان يريد أستدعائها .. الهنوف تلك خطيبتي .. يا الله كم أنا مشتاق لها .. يا ترى كيف أستقبلت هذا الخبر .. لا بد أنها أنهارت .. يعيد الدكتور عليه سؤالهُ : أتريد أن أناديها لك .. يحرك بدر رأسهُ مشيراً بالقبول .. قبل أن يخرج الدكتور يقول لبدر : سوف أعرج عليك ولكن بعد أن تجلس مع أهلك وأصحابك فهناك أشياء يجب أن تعلم بها .. يخرج الدكتورو تدخل الهنوف ..

الهنوف : بدر .. هل تسمعني ..؟

بدر بصوتٍ مبحوح : نعم ..

تركض الهنوف إلى أحضان بدر وتضمهُ بكايهً عليه : الحمد والشكر لك يارب .. لقد ظننت بأنني سأفتقدك إلى الأبد .. لقد كنت أحلم بهذا اليوم كثيراً .. وها هو الآن يتحقق .. كم أشتقت إلى الحديث معك وإلى سماع صوتك .. الآن أنا أشعر بالأمان .. كيف حالك الآن . ما الذي تشعر بهِ .. هل هناك شيء يؤلمك ؟

بدر يغلق عينه و يمسح على رأسها  : لا .. توقفي عن البكاء ..

الهنوف :  دعني أبكي أرجوك فأنا لا أعلم أأبكي من الفرح أم من الحزن ..

بدر : لماذا الحزن أنا بصحة وعافية .. هذا ما قاله الدكتور قبل قليل ..

الهنوف :  الحمد الله ..

وبين ذلك الفرح الأعمى يدخل والد بدر ووالدتهُ وجميع أخوتهِ .. الكل مبتسمٌ الكل في عينهِ دموعاً يشتم بدر رائحتها قبل أن تسقط .. ينتشر الخبر بسرعة كبيرة وتفرح الحجرة بالأهل والأصدقاء .. الكل كان فرحاً ولكن بدر كان خجلاً .. كان يطلب من بعضهم بالتعريف عن أسمهِ فربما أختلطت الأصوات عليه .. كان مغمضاً عينيه طوال الوقت لا يريد أن يشعر بالنقص بينهم ولا يريد أن يشعر بأنه محط للأنظار الغريبة ، أصبحت حاسة الشم والسمع أقوى لدى بدر .. فبمجرد أن يدخل أحدٌ إلى حجرتهِ يستطيع أن يتعرف عليه من رائحتهِ .. تدخل الهنوف عليه في الصباح اليوم التالي جالبةً معها الفطور : السلام عليكم يا جميل ..

بدر : وعليكم السلام ..

الهنوف : صباح الخير يا حبيبي ..

بدر : صباح النور يا حبيبتي .. ما هذه الرائحة ؟

الهنوف : جلبت لك فطوراً من صنع يدي ..

بدر : لا حاجة أذن للأستغراب من هذه الرائحة الجميلة ..

الهنوف : توقف عن المدح قبل أن تتذوق بنفسك .. أتعلم ! أنا من سوف أطعمك بيدي الجميلة ..

بدر يمسك يد الهنوف ويقبلها : صدقتي فهي فعلاً جميلة ..

الهنوف : حسناً أخبرني .. هل أشتقت لي ..!

بدر : أنا ما أشتقتُ لأشيءٍ  بقدر ما أشتقت لسماع صوتكِ العذب ..

الهنوف : أنا أيضاً أشتقت لسماع صوتك خصوصاً عندما تغني ..

بدر يضحك : سأعتبر ذاك مديحاً ..

الهنوف : لن تغلبني هذه المرة فصوتك شجي ..

بدر : سأتوقف عن المحاولة مادمتِ أنتِ من سيطعمني ..

الهنوف تضحك : حسناً ما رأيك أن تتوقف عن الكلام وتبدأ بالفتح فمك كي أطعمك .. أتعلم يا بدر لقد وجدت تلك الورقة الصغيرة جداً في محفضتك .. عندما رأيتها جلستُ أضحك على نفسي كثيراً .. لم أكن أتخيل أنك لازلت تحتفظ بهذه الورقة الصغيرة ..

بدر : هي أغلى ذكرى .. بالحديث عنها .. هل من الممكن أن تناولينني إياها .. فلقد أشتقت إلى شمها وإلى الشعور بملمسها ..

تفتح الهنوف محفضة بدر وتخرج الورقة تقرأها من جديد وتضحك .. تضع الورقة في راحة يد بدر الممدودة لها ..

بدر بعد أن أشتمها ومرر أصابع يده بين زواياها : آه من أيام جميلة .. لازلت أذكر حديثكِ يومها والرعب الذي سكن حروفكِ ..

الهنوف : أنت من جعل أضلعي ترتجف دون أي داعي لذلك ..

بدر : لماذ توقفتي عن أطعامي .. أنا جائع ولم أذق مثل هذا الطعام اللذيذ منذ مدة ..

الهنوف : هل أعجبك ؟

بدر : بالتأكيد .. وأضن أنني سأتمرد وأخذ من حصتك قليلاً ..

الهنوف : أنت تعلم بأن الدكتور حذرك من الأكل الكثير حتى يستعيد جسمك صحته ..

بدر : دعكِ من حديث الدكتور .. ولو أنه ذاق ما ذقتهُ لطلب المزيد مثلي ..

الهنوف تضحك .. ينتهي بدر من فطورهِ وتغسل الهنوف فم ويدين بدر بمنديلٍ رطب .

يجلس بدر في المستشفى قرابة الشهر يتنافس على خدمتهِ الجميع .. بدأ بدر في تناول الطعام والشراب ويعود إلى طبيعتهَ .. واجه بدر ما لم يتخيلهُ من المصاعب التي وقفت أمام عينهِ العاطلة .. لم يكن يتخيل في ويومٍ من الأيام أنه سيحتاج إلى مساعدة كالوقوف على القدمين أو مساعدتهُ في التنزه بين الممرات أو حتى في دخولهِ إلى دورة المياه أو  الأستحمام .. كان والدهُ الوحيد الذي يدخل معهُ إلى دورة المياة .. وبعد أن خرج بدر من المستشفى أنتقل إلى بيتهِ ولم يدم أنتقاله أكثر من يومين .. ولصعوبة الحياة في بيتهِ طلب أن يعيش في دار رعاية للمكفوفين .. كان ذاك الخبر كالصاعقة التي نزلت على والدهِ ووالدتهِ .. أصّر بدر على ذلك مُبرراً أنه سيعيش لفترة بسيطة سيتعلم فيها كيف يعتمد على نفسهِ وبعد ذلك سيعود إلى المنزل .. وبعد الموافقة أنتقل بدر إلى هناك وتعلم الأعتماد على نفسهِ .. وكيفية التعامل مع المبصرين و المكفوفين مثلهُ .. عاد بدر إلى بيتهِ ممسكاً بأحدى العصِّي التي تساعدهُ على المشي والتعرف على مخاطر الطريق .. عاد بدر إلى الحياة من جديد سعيداً بذلك الأنجاز .. فهو اليوم لا يحتاج إلى أي مساعدة من أحد .. سيشرب كأس الماء متى أراد ذلك .. وسيدخل ويخرج من دورة المياة دون أن يزعج أحد .. وسيتناول طعامه دون أي عطفٍ أو شفقةٍ من أحد .. في تلك الفترة كان بدر يحاول الأبتعاد عن الهنوف عبر الهاتف قدر الأمكان متعذراً بأنه يسمع رنين الهاتف ولا يجده .. وبعد أن أستعاد بدر طاقتهُ الجسدية والنفسية .. ذهب إلى بيت الهنوف .. جلس بجوارها وتحدث معها لساعاتٍ والقلق واضحٌ بين شفتيه ..

قال بدر للهنوف بنبرةٍ جادة : أسمعي يا الهنوف .. لم يكن لدي وقتٌ كافي لتحدث معك .. أما الآن فأنا متفرغ ومستعد لكل أوامرك ..

الهنوف : عن ماذا تتحدث يا بدر ؟

بدر : أرجوكِ لا تقاطعيني ودعيني أكمل .. أنا أحمد الله على نجاتي من ذلك الحادث المميت وأشكر ربي صبح مساء .. صحيح أنني أصبحتُ كفيف العينين .. لكني رأيتُ ما لم يراهُ المبصرون .. عانيت الكثير في بداية الأمر .. وأصطنعت الضحك كثيراً .. أما الآن فأنا راضي بما قسمهُ الله لي .. أعلمي أنني مستعٌد لتنفيذ جميع رغباتكِ مهما كانت .. وأنني متفهم جداً لأي طلبٍ تطلبينهُ .. لقد وضعني الله في مثل هذا الموقف لأختبار صبري ومدى تحملي .. وأنا صابرٌ بأذن الله .. ولكن لا يوجد أي داعيٍ  لمعاقبتكِ معي .. فأنتِ جميلة والكل يتمنى الحصول على زوجةٍ مثلك .. فأن أردتي الطلاق فأنا لن أحرمكِ من حقكِ في الحصول على زوجٍ يمتلك عيوناً .. ولن أقبل منكِ أجابةٌ الآن .. سأترككِ تأخذين حصتكِ من الوقت .. وأريد منكِ أن تتخيلي مستقبلكِ معي وكيف ستكون المشقة علماً بأنني لا أملك عملاً ولا أظن بأنني سوف أجد عملاً بالسرعةٍ وسهولة .. لا تعتقدي أنني أريد التخلص منكِ .. أقسم لكِ بأنني أقول هذا الكلام وفي الحلق غصّة .. أعظم ما أشتاق إلى رؤيتهِ هو وجهك الجميل .. الحمد الله أنني رأيتكِ وحفظتُ صورتكِ في مخيلتي .. أعلم بأن هناك أملاً بأن يعود بصري وذلك يكلف الكثير من المال .. وأنا لا أريد العملية فهي سوف تسلب مني هذا الأمل في حال أنها لم تنجح .. على الأقل سوف أعيش على أملٍ في يومٍ من الأيام سأستطيع النظر مرةً  أخرى .. ولو خضعت للعملية والتي ستكلف الكثير جداً من المال والتي أيضاً لا نعلم مدى نجاحها سوف أخسر الأمل والمال وعودة النظر .. لذلك أفضل أن أمتلك الأمل والمال عوضاً عن ذهابهم مع العين .. سأكون متواجداً متى ترغبين بالحديث مرةً أخرى .. مع السلامة .

نهض بدر من امكانهِ وقادتهُ عصاتهُ إلى الخارج مستمعاً إلى دموع الهنوف التي تساقطت على ملابسها .. يعود بدر إلى بيتهِ ويتحدث مع والديهِ بشأن قرارهِ الذي أتخذه .. تغضب والدة بدر في البداية ولكن بعد الحديث والمناقشة الطويلة يقتنع والد برد فقط ووالدة بدر لا زالت متمسكةً بموقفها .. يخرج بدر من النطاق النقاش ويذهب إلى حجرتهِ .. يمسك والد بدر زوجتهُ ويخبرها بكل هدوء : حبيبتي أبننا كبير بما فيه الكفاية لأتخاذ قرارٍ بهذا الحجم .. ماذا لو ضغطنا عليه بما فيه الكفاية وأجبرناه على أجراء العملية ولم تنجح كيف سيتحمل هو هذا الخبر .. كيف ستتحملين أنتِ هذا الخبر .. كيف ستتحمل زوجتهُ وأصدقائهُ .. سيمر بدر وقتها بمرحلة أكتئاب قاسية لا أظن أن بستطاعتهِ تحملها خصوصاً بعد كل ذلك الذي مر بهِ مؤخراً ..  أنا لا أريد أن أكون سلبياً ولكن أريد منكِ أن تفهمي بدر وتعلمي لماذا هو أتخذ هذا القرار .. وأريد منكِ أن تعلمي أنني لن أقف ضدهُ بل سأكون معهُ في كل ما يفعلهُ .. وأن غير رأيهُ في المستقبل وأراد أن يخضع إلى العمليه صدقيني سأكون على أتم الأستعداد وأفعل كل ما بستطاعتي من جهدٍ ووقتٍ ومال ، في الجانب الأخر كان بدر مستلقياً على سريرهِ يقلب الأمور ويسأل نفسهُ .. هل كنتُ متسرعاً؟ هل يجب على المحاولة ؟ هل ما فعلتهُ للهنوف صحيح؟ نعم هي تستحق رجلاً أفضل مني ! هل سوف تطلب الطلاق مني ؟ لن أتعجب من ذلك بالرغم من أنها تعشقني ولم تفارقني منذ أن حدث معي ما حدث ألا أنها تستحق بعض الفرح في حياتها وذلك ما ستجدهُ عند أحدٍ أخر وليس أنا .. ما يجب أن أركز عليهِ الآن هي الوظيفة .. صحيح أنني أملك شهادة هندسة وأنني كنت أملك الكثير جداً من الفرص ولكن كلها تبخرت بمجرد فقدان بصري .. في هذا البلد الأعاقة الجسدية هي شيء مخيف لا أحد يريد أن يتعامل معك .. وفوق ذلك كلهِ يصبح المعاق عالةً على أهلهِ .. لا أحد يفخر بمصاحبة معاق .. الجميع يخفي ذلك وكأنهُ أمرٌ مخزي .. حتى الأقارب والأحباب .. لذلك سأبحث عن أي عملٍ من الغد وسأعتمد على نفسي .. وأنجح في حياتي دون أي حاجةٍ إلى بصري .. سأعتمد على نفسي .. وسأملك مصروفاً لجيبي ،

هكذا بدأ بدر بالتخطيط لحياتهِ من جديد وكأنه ولد قبل أيامٍ  قليلة .. ينام في صدر بدر قصر من الحزن الهَرّم وخلف ذلك القصر واحةٌ خضراء وجميلة .. القصر هو مكان يخزن فيه بدر طاقتهُ السلبية وأمالهُ العرجة .. أما الواحة  كانت ” الهنوف ” .. الهنوف هو الشيء الوحيد الذي بإمكانهِ أن يُسعّد بدر ويعيد للبهجة حضورهُ على وجهِ .. تسكن الهنوف أعلى طموح بدر المهزوز .. ليس فقط طموحهُ بل أجمل أحلامهُ .. وأسعد ما يدخل الفرحة على قلبهِ .. الجلوس معها أو بجانبها والتقرب منها واستنشاق الهواء ذاتهُ الذي تستنشقهُ يحقق أحلاماً كان بدر يتمنى الحصول عليها .. الزواج منها كان ولا يزال أحد الأسباب التي ستجعل بدر سعيداً حتى وأن كان ضريراً .. للقدر نصيبٌ ضخم في تغير كل مسارات حياة بدر .. فقبل أن يتحدث مع ( الفتاة ) كان بدر رجلاً يملك بصراً لا يعرف الحب .. وبعد مجيء ( الفتاة ) أصبح بدر أحد العشاق .. أستولت الهنوف على جميع ما يحيط بدر من تفاصيل صغيرة .. بل أنها صنعت في حياتهِ تفاصيل أصبحت من الأمور المهمة في حياتهِ .. عندما رحلت الهنوف عنهُ .. عّرَف بدر معنى الحب .. تألم كثيراً وتقيأ الشوق مراتٍ عدة .. وضعت الهنوف بدر في مسارٍ لا عودة فيه .. أصبح يسيرُ وحيداً .. أعطتهُ بعض الأمل الذي أصبح يتقوى ويتغذى عليه كل لليلة قبل أن ينام يختفي عن الأنظار ويخرج حبهُ ليعيد قرائتهُ من جديد .. مارس بدر الكثير من أمور الحب التي سمع عنها .. تعامل مع الحنين بشكلٍ دائم .. وأتخذ السهر صديقاً حميماً .. فتح لشوقهِ أوسع الأبواب .. وسمح لخيالهِ الغادر بأن يطعنهُ أكثر من مرة .. ورغم ذلك لا يزال يراها حلماً جميلاً وطريقاً مزهراً و أغنيات راقصة وحفلات صاخبة وطفلةًَ تركض في العيد فرحة .. ربما كان لقدر بدر يد في كل تلك الأمور وربما كانت مجرد صدفة .. ربما كانت ( الفتاة  ) قدراً وربما صدفة ، ربما كانت معها في المدرسة صدفةً وربما كان مُقدراً لها ذلك ، ربما كانت قدراً أن ترى ( الفتاة ) الهنوف تدخل إلى دورة المياة لتمسح بعض العبارات التي كتبتها على يدها وربما كان صدفة ، ربما كان قدرهُ أن يصبحوا أصدقاء وربما كان صدفة ، ربما كانت صدفة أن تعشق الهنوف بدر وتلتقي بأحد الفتيات التي يتحدث معها ، ربما كان قدراً أن يقع بدر في حبها قبل أن يتحدث معها ويكتم ذلك في صدرهِ ، ربما كانت شجاعة من الهنوف الموافقة على التحدث مع بدر ولم يكن قدراً ، ربما كان قدر بدر أن يفارق ( الفتاة ) لتنقطع أخبار الهنوف عنه وربما كانت صدفة ، ربما كان دخول الهنوف في حياتهِ مرةً أخرى وبقوة مجرد أنتظار مل فتصرف من تلقاء نفسهِ ولم يكن قدراً ، ربما كان السبب في وقوعهم في الحب هو حديثهم الطويل بعد الفجر وليس القدر ، ربما كان رحيلها عنه قدراً وربما توخيٍ للحذر ، ربما كانت والدة بدر تخطط في طلب يد الهنوف لأبنها بدر قبل أن تدخل ( الفتاة ) في حياة بدر وأنها كانت مجدر مصادفة ولم يكن قدراً ، ربما كانت مصادفةً كل تلك القصص التي حدثت لبدر وأصدقائهِ من محاولات لقطع أحدى تذاكر قطار الحب وربما كانت غاليةً ولم يستطع الجميع تحمل تلك التكلفة ولم يكن قدراً، ربما كان حادث بدر مع أصحابهِ مقدراً ولم يكن أحد أخطاء زياد الكثيرة، ربما كان مُقدراً لبدر الجلوس في المقدمة ولم تكن صدفة ، ربما  كان خروج بدر من الغيبوبة قدراً ولم يكن أحد الأسباب الطبية ، ربما كان قدر بدر أن يعيش الحب ويحرم منه وربما كان صدفة ، ربما كل ما حدث كان مقدراً وعزز ذلك القليل جداً من المصادفات العجيبة ، وربما كل ما حدث كان صدفةً عززت لهُ بعض الأقدار الصغيرة ، ربما كل ما حدث لسبب معين وربما لا ، في الحقيقة بدر لا يهتم بكل ذلك! .. كل ما كان يخاف بدر حصولهُ هو الأبتعاد عن الهنوف .. لم يستلم بدر في اليوم الأول أتصالاً من الهنوف ولا حتى رسالة ولم يقم هو أيضاً بإرسال أي رسالةٍ لها .. مر يومان على تلك الحال وبدر في قلقٍ فضيع .. وفي اليوم الثالث ترسل الهنوف رسالةً إلى بدر بأسلوب جاف تخبرهُ فيها بأن عليهم الحديث وأن عليه القدوم إلى المنزلها بعد صلاة المغرب .. أستعد بدر لذلك وحاول قدر الأمكان أن يتحكم بمشاعرهِ وعدم أظهارها لها مهما كان جوابها .. يجلس بدر في المجلس منتظراً شم رائحتها أو سماع خطواتها الخجلة .. وبعد لحظات تدخل الهنوف بتلك الرائحة التي قفز لها قلب بدر .. يبتسم بدر ثم يخفي أبتسامتهُ سريعاً ..

الهنوف : السلام عليكم ..

بدر : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاتهُ ..

الهنوف : كيف حالك ؟

بدر : الحمد الله لا زلت أستطيع المشي على قدمي .. كيف حالكِ أنتِ ؟

الهنوف : لستُ  بخير أبداً ..

بدر يستغرب يجيب بسرعة : لماذا ؟ ماذا حصل ؟

الهنوف : ربما لا يهمك الأمر ولكن سأقول لك .. تخيل ذلك معي جيداً .. تخيل أنك كُنتَ مكاني وأنا من أصبت بالعماء .. هل سوف تتركني وترحل أم أنك ستقف معي في كل محنة وفي كل بهجة .. عندما أخبرتني بأن أتخيل مستقبلي مع زوجي ومعك أنت أقسم لك بشرفي أنني لم أستطع أن أتخيل زوجاً غيرك .. وعندما جرحتني وقلت بأنني سأكون أسعد مع أنسان أخر أنسان يمتلك عيوناً يُبصر بها .. لم أكن أتخيل أنك يائسٌ لهذه الدرجة .. سأسألك يا بدر سؤلاً .. هل تزوجتك أنا من أجل عيونك فقط!

بدر : لا ..

الهنوف تدمع : أذن أنا لا أهتم بالعلة التي فيك .. فأنا لا زلت أرغب بزواج منك حتى وأن كُنتَ طريح الفراش .. أن أرتبط بشخصٍ كان بالنسبةِ لي حلماً .. لا يقلل من قيمة أعضائهِ السليمة والمعطلة .. أنا عندما أحببتك شعرت بأن الكون لي .. شعرت بأنني أعيش الحياة التي يتحدثون عنها وفوق ذلك كانت حياتي أجمل بكثير عما كانوا يتحدثون عنه .. أنت أول رجل أحببتهُ وثق تماماً بأنك أخرهم .. عندما أتيت إلي منزلي تخبرني ذلك الكلام الجارح كنت أنا على أتم الأستعداد على العيش طوال العمر معك .. وأتيت أنت وبكل غباءٍ تريد أن تدفعني خارج حياتك وكأنني شخص ثقيلٌ عليك .. أريد منك أن تفهم يا حبيبي بأنك ( حياتي ) فأن عشت أنا بعيداً عنك فأنا كذبتُ على نفسي ولم أعش أبداً .. سأعيش معك وسأقنعك بأجراء العملية وسأتزوج منك مهما كانت النتيجة وسأنجب منك أطفالاً نربيهم سويةً و …

بدأت بكاء الهنوف يزداد حتى أصبحت الحروف ضيقة لا تستطيع الخروج من فمها الصغير .. قام بدر من مكانهِ وجلس بالقرب منها تفحص وجهها الجميل ومسح نبع الدموع الذي كان يتفجر .. وقال لها : توقفي عن البكاء يا حبيبتي ..

ما أن سمعت تلك الكلمات من فم بدر حتى أرتمت بين أحضانهِ تدفع كمياً كبيرةً من الحزن والقلق والخوف خارج عيونها .. كانت أول مرةٍ يضم فيها بدر الهنوف إلى صدرهِ وكانت تلك أحدى أمنياتهِ الجميلة .. مسح دموعها وقبل جبينها وأعادها إلى صدرهِ مرةً أخرى مال رأسها على كتفهِ وأسند بدر رأسهُ على رأسها ونزل من عينيه دموعاً حاول أخفائها عن حبيبتهِ .. من قال بأن الضرير لا يدمع !.

 

 

 

 

في النهاية أرغب بشكر كل من تابع الرواية وكل من توقف عن قرائتها ، أشكر كل من خصص لي وقتاً في يومهِ لقراءة حروفي .. وأتمنى أنني لم أطل عليكم و كنت محل ثقةٍ لكم ولم أضيع وقتكم الثمين .. أرجوا من الجميع أخباري بكل صراحة عن رأيهِ في الرواية مهما كانت نظرتهُ ومهما كان أنتقادهُ ..  فأنا أتقبل كل شيء .. في حال أنك ترغب بأخفاء هويتك أخبرني في أحدى هذه المواقع .

أستقبل أسألتكم عبر هذا الموقع http://ask.fm/malook90

وأرائكم عبر هذا الموقع  http://sayat.me/malook90

قصتي مع القدر .. ( ٢٩ ) – ما قبل النهاية -

بعد أسابيع من المتابعة المستمرة مع زياد يمّل بدر من محالولاتهِ العدة في التدخل للأصلاح بينهم .. ويعلن لزياد أنه لا علاقة لهُ فيما سيحدث وما حدث سابقاً وما لم يحدث .. ويضع القرار بين يديهِ ، عمر مضى في حياتهُ لكنه لم ينسى قريبة الهنوف ومازال يحاول ترك التدخين .. لديه العزيمة في ذلك ولكن هي مجرد زلات النفس والشهوة المباغته واللذة في العودة إلى التدخين هي أكبر سبب يجعلهُ يتراجع ويعود من جديد! ، ماجد لا زال يحب لمى ولا تزال رغبتهُ في عدم رؤيتها قوية .. فكر كثيراً في مصاحبة غيرها من الفتيات وفعل ذلك .. لكن لم تزل لمى قابعة في روحهِ ولم تترك قلبهُ خاوياً كما كان يظن .

بعد عامٍ حافلٍ من الدراسة يحتفل بدر في هذا اليوم الذي طالما أنتظر قدومهُ .. تخرج بدر من الجامعة هو مفتاح جديد بيدين بدر لا يعلم  أي بابٍ سيُفتح له .. عمل بدر طوال هذا العام بجدٍ وأجتهاد .. أهمل أصدقاهُ وأهمل حبهُ وتخاذل مع أهلهِ فقط من أجل التركيز على دراستهِ . يحتفل بدر بهذا اليوم الذي سيصبح فيه مُهندساً معمارياً .. يذهب مع أصدقائهِ إلى حفل التخرج سعيدين بهذا اليوم .. يقف عمر وزياد بجانب بدر يأخذون بعض الصور التذكارية .. لم يتمكن ماجد من الحضور رغم حرص بدر على ذلك .. ينتهي الحفل ويخرج الجميع راقصين على أنغام الموسيقى الصاخبة . تعلم الهنوف بأن بدر الآن في حفل تخرجهِ وتعلم أنه لا يستيطع التحدث إليها والسبب وجودها في البيت ووجود أصدقاء بدر حولهُ طوال الوقت ،  يعود بدر إلى بيتهِ ممسكاً بوثيقة التخرج ومتعباً من الرقص ومن الاحتفال .. وفي الصباح وبعد نومٍ ثقيل يستيقظ بدر على فصلٍ جديد في حياتهِ .. ( الوظيفة ) هي كل ما يشغل تفكير بدر” صنع المستقبل ” .. من حسن حظ بدر أن والدهُ يملك بعض المعارف وذلك ما سوف يساعده  .. مبدأ بدر في التوظيف هو البحث بجد مهما كان العمل .. وفي حالة  الوصول إلى اليأس يأتي دور ” الواسطة ” .. وفي أحد الصباحات التي يعود فيها بدر من أحدى المقابلات الشخصية .. يعود ليشاهد والدتهُ تجلس أمام التلفاز .. يجلس بجانبها ويتجاذبون أطراف الحوار .. كان بدر يخبر والدتهُ عن المقابلة وكيف يظن بأنهم سوف يقومون بالاتصال عليه وأن ما عليها سوى أن تدعو له .. ساد الصمت بينهم للحظات ثم أغلقت والدتهُ التلفاز وأدارت وجهها نحو بدر قائلةً له : بدر .. أسمع ما رأيك بالهنوف ؟

تلك كانت أول مرةٍ تنطق بها والدتهُ أسم حبيبتهِ أمامهُ .. لم تخلق كلمات تصف ما مر بهِ بدر للحظات قبل أن يستوعب ما حدث .. الصدمة أمر صغير مر بهِ من قبل ولكن هذا الشعور مختلف .. مختلفٌ جداً .. كان أسمها جميلاً جداً على لسان والدتهِ وخصوصاً ذاك المغزى التي أرادت إيصالهُ لبدر .. يحاول بدر أن يسيطر على ملامحهِ فيخبئ رأسهُ ثم يلتف نحو وجهها ويقول : الهنوف ! ماذا بها ؟

والدتهُ : ما رأيك بها كزوجةً لك ؟

بدر : لا أعلم ولكن ألا تظنين بأنكِ متسرعةٌ بعض الشيء .. ألا يجب علي أن أجد عملاً ومن ثم أستقر وبعد ذلك أفكر في الزواج ..

والدتهُ : أنت تحدث عن العمل وأنا سأتحدث عن الزواج دع النساء يقمن بعملهن وأنت قم بعملك ! لازلت أنتظر منك أجابة !

بدر : لا أعلم يا أمي الفتاة لم أرى منها شيئاً يُعيبها ولا يميزها .. وعلى حسب ذاكرتي فأنا بالكاد أذكر كيف كان وجهها عندما كانت صغيرة ..

والدتهُ : أنا أقول لك .. أنها جميلة .. ومجتهدة ومنظمة ولطيفة وأنت تعلم بأن الشباب دائماً ما يقومون بخطبة من في هذا السن تحديداً وأنا لا أرغب بأن تذهب لأحدٍ غيرك .. أريدها من نصيبك ..

لم يكترث بدر بكل ما قالت لهُ والدتهُ فكل ما ذكرتهُ هو على علمٍ بهِ .. ولكن ما هز كيان بدر المتثاقل هو كلمة ( نصيبك ) .. ماذا تقصد بنصيبك ؟ وماهو النصيب؟

والدة بدر بعد صمت بدر الواضح : أنت تعلم بأنها أنتهت من دراسة الثانوية وأنا أنتظرتُ كثيراً حتى وجدت الفرصة المناسبة للحديث معك .. أخبرني ماذا قلت ؟

بدر : لا أعلم يا أمي ..

والدتهُ : حسناً .. مبدئياً موافق أو لا ؟

بدر لا يريد أن تكون الهنوف بين القبول والرفض فيجيب : موافق مبدئياً ..

والدتهُ والفرحة تغمرها : لا تقلق كن واثقاً من أختيار والدتك ..

يتهرب بدر من أمهِ ليعود إلى حجرتهِ ويغلق الباب خلفه .. لا يعلم بدر ماذا يفعل ! أيرقص؟ أم يصرخ؟ أم يقفز؟ أم يغني ؟ .. كان يخشى قدوم هذا اليوم كثيراً .. كان يحدث نفسهُ كيف سأخبر أمي بأنني أرغب بالزواج من الهنوف ؟ وكيف ستتقبل هي ذلك .. ولكن الآن هي من أزاحت عنهُ هذا العبء .. صحيح أنهُ لم يتوقع قدوم هذا اليوم بهذه السرعة .. ولكن لا يهم بدر الآن متى قَدِمَ هذا اليوم المهم لديهُ هو أن سيصبح من نصيب الهنوف . خرج بدر في هذا اليوم للأحتفال بنفسهِ مع أصدقائهِ دون علمهم بشيء .. ويعود إلى بيتهِ يسترجع ذاك الماضي الذي تجدد بين لحظات وأعاد للحنين الحياة ، وفي الصباح وعند الأفطار ينتهي بدر من تناول طبقهِ ويقوم من مكانهِ فتخاطبهُ والدتهُ قائلة : لقد تحدثت مع والدك عن الهنوف ..

يدير بدر ظهرهُ ويجلس مرةً أخرى : ماذا ؟ متى ؟ وماذا قال ؟

والدتهُ : وافقني الرأي وشجعني مما جعلني أستعجل في طلب يدها ..

بدر : ألا ترين بأنكِ متحمسةٌ جداً .. حسناً أنتظري قليلاً حتى أكون جاهزاً وبعد ذلك نقوم بطلب يدها ..

والدتهُ : لقد تحذثتُ مع والدة الهنوف البارحة !

بدر : وماذا قلتِ لها ؟

والدتهُ : أخبرتها بأنني أرغب بالهنوف زوجةً لأبني بدر ؟

بدر : وماذا قالت ؟

والدتهُ : تفاجأت قليلاً ثم قالت يجب أن أخذ رأي الهنوف أولاً .. فالقرار قرارها وليس قراري ..

بدر : وماذا كان ردها ؟

والدتهُ : لم تقرر بعد ولكني أخبرتها بأن ترد علي عندما تقرر الهنوف ..

يضحك بدر بداخلهِ وهو يعلم ما رد الهنوف مسبقاً ..

وفي اليوم التالي يأتي بدر إلى والدتهِ مصطنعاً النسيان ويرغب بسماع رد الهنوف من والدتهِ .. فيجلس معها أمام التلفاز وينشغل بهاتفهِ محاولاً شد أنتباهها .. وبعد لحظات تتحدث والدتهُ وتقول : لقد أتصلت والدة الهنوف البارحة بعد العشاء ..

بدر : وماذا قالت لكِ ؟

والدتهُ : أخبرتني بأن الهنوف موافقة .. وأطلبتُ منها تحديد اليوم للقدوم إلى منزلهم لنطلب يدها بشكلٍ رسمي ..

بدر : وهل تم تحديد هذا اليوم ؟

والدتهُ : بأذن الله سيكون في هذا الأسبوع .. يوم الأربعاء الخطبة الرسمية ويوم الخميس النظرة الشرعية ..

بدر لم يتوقع بأن الأمر سيصبح واقعاً وبهذه السرعة .. يذهب بدر ويجتمع مع عمر وزياد ليخبرهم بهذا الخبر المفرح فلقد مّل الانتظار .. وفي بيت زياد عند أحد زوايا المجلس يجلس بدر محتاراً .. كيف سيبدأ بأخبارهم وبأي صيغة سوف يقول الخبر لهم وما هو الأسلوب الأمثل في مثل هذه الأمور .. يرى عمر بدر شارد البال مبتسم الشفاه فيقاطعهُ ويقول : إلى أين ذهبت ؟

بدر يضحك : لم أذهب إلى أي مكان أنا هنا ..

زياد : تبدو مشغول البال .. ما الذي يشغل بالك .. هل هناك مقابلة قريبة أم أنك تنتظر اتصال عمل ؟

بدر يتشجع : حسناً .. سأخبركم بحدثٍ جديد .. وأتمنى أن تدعوني أكمل ولا تقاطعوني ..

عمر وزياد بصوتٍ واحد : لن نقاطعك ..

بدر : قبل ثلاثة أيام تحدثت معي والدتي وقالت لي بأنها تريد الهنوف زوجة لي ..

عمر : مستحيل !!

زياد : وماذا قلت ؟

بدر : ألم أقل لكم لا تقاطعوني ..

عمر : حسناً أعدك لن نقاطعك ولكن أكمل ..

بدر : في البداية كنتُ متفاجئ .. أخبرتها بأن الوقت مبكر للحديث في مثل هذه الأمور ولكنها قالت لي ما هو رأيك مبدئياً وأحرجتني عندما وضعت القرار بيدي فقالت نعم أو لا ؟ وعليك أن تقرر الآن .. فقلت لها بأنني موافق ولم أتصور بأنها ستقوم بالاتصال عليهم بسرعة كنت أتوقع أن يأخذ وقتاً لمدة أسبوعين أو أكثر ولكن ما حدث معي كان بسرعة الصوت .. أتتني في اليوم الذي يليهِ وأخبرتني أنها تحدثت مع والدة الهنوف وأخبرتها بالموضوع وأنها تنتظر رد الهنوف .. كنت أعلم رد الهنوف ولكن لم أستطع الانتظار ليومٍ أخر حتى أسمع موافقتها من فم أمي .. في اليوم التالي كنت أظن بأنني سأسمع الموافقة فقط ولكن أمي متسرعةٌ جداً .. فلقد حددت موعداً للخطبة الرسمية ولنظرة الشرعية في يومٍ واحد .. الخطبة بأذن الله بعد غد والنظرة الشرعية في اليوم الذي يليه ..

يقوم كل من عمر وزياد من مكانه ويصافحان بدر ويضمانهِ مباركين لهُ على هذه الأخبار الجميلة والتي أدخلت كميةً كبيرة من السعادة في قلوبهم .. فهم يعلمون ما مر بهِ بدر وأنه يستحق كل ما يحدث معه . يترقب بدر يوم الخطبة الرسمية بفارغ الصبر .. أنتظاره لمدة سنة كان هيِّناً عليه من أنتظار قدوم هذا اليوم ، وفي يوم الاربعاء يستعد بدر وجميع أهلهُ وأقرابه لذهاب إلى بيت الهنوف .. لم يصدق بدر حتى الآن ما يحدث معه .. في كل دقيقة يحدث نفسهُ بأنهُ سيستيقظ من منامهِ .. كان ذلك أسهل عليه من الخضوع للواقع الجميل والمربك بعض الشيء .. يرى بدر أن الحياة بدأت تفتح لهُ أبواباً كثيرةً لسعادة .. أبواباً لم يعلم بدر بوجودها ولم يعلم بأن هناك من سبقوه بالدخول إليها .. خطوات بدر إلى بيت الهنوف حلماً بدأ يتحقق .. لا يشعر بدر بأن الأرض تسع كل هذا الفرح الذي يغمرهُ .. الترحيب بالحاضرين والمباركة المستمرة لبدر تفاصيل لم تكن على بال بدر .. ضحكات أخوتهِ أحمد وناصر أخذت حيزاً من أهتمام بدر المتبعثر .. فرح والدة بدر بالنصر الذي حققتهُ وأنها على يقين تام بأن الهنوف ستكون الزوجة المثالية لبدر .. أُعلن للجميع بأن اليوم هو مجرد بداية فقط لعمر كاملٍ من الآفراح .. لحياة مليئة بالسعادة .. لشوقٍ لا يتحكم القلب بهِ .. لليالي طويلة .. لسهر من نوعٍ أخر .. لحديثٍ جديد لا ينتهي .. لقربٍ طالما حلم بهِ بدر ودعت له الهنوف . يجلس بدر بجانب والدهِ وعمهِ .. ويجلس أمامهُ والد الهنوف و أخوتهِ .. بالرغم من أن بدر كان يستمع بحرص إلى كل كلمة كانت تسقط من فم المتحدثين ألا أنه لم يتذكر ما كان يُقال .. كان يتخيل تلك الأحداث التي في الجانب الأخر من المجلس .. وأي حوارٍ قد يتداول بينهم .. أنتهت هذه الليلة الجميلة بعد الكثير جداً من المضايقات ” نغزات ” والمواقف المحرجة لبدر .. وعاد بدر إلى حجرتهِ ليسكن الهدوء فيه مرةً أخرى وربما للمرةِ الأخيرة .. لم تعد الهنوف شيئاً يستطيع بدر أخراجهُ من رأسهِ .. بل هي الآن كقطعة لا يُستغنى عنها كالقلب مثلاً .. لم يسمح بدر لخيالهِ أن يستعجل صورتها في ذهنهِ .. بل أقتنع بالإنتظار حتى يرى بعينه ذاك الجمال الذي طالما حلم بهِ ليالٍ طويلة وتحدثت عنه الهنوف مراتٍ كثيرة ، وفي الصباح يستيقظ بدر مبتسماً .. لا يزال يقاوم نفسه التي تحرضهُ على أرسال رسالة للهنوف .. حجته المهزوزه في عدم أستلام رسالةٍ منها كافية بأن يجعل من مجرى الأمور طبيعياً .. يصبح بدر على وجه والدتهِ الفرحه لأجلهِ والمتحمسة بشدة لرؤية وجه بدر عندما تدخل الهنوف ويشاهدها بعينه ..

تتحدث والدة بدر معه : صدقني يا بدر سوف تعشقها من أول نظرة .. يرد بدر في نفسهِ ” من قال أنني لم أفعل ” .. تحاول والدة بدر أن تزيل الارتباك الواضح على ملامح بدر فتقول له : هي نوعاً ما بسيطة .. أخلاقها عالية .. جيدةٌ جداً في الطبخ وأمور المنزل .. ليس كفتيات اليوم فهي “عاقلة” .. شعرها أسود ومرتب .. ملامحها لطيفة .. وبشرتها بيضاء ناعمة .. ذوقها .. ذوقها يا بدر جميلٌ جداً .. ستتعرف عليها أكثر اليوم عندما تتحدث معها ..

بدر : بخصوص ذلك .. ما الذي يجب أن أقولهُ لها .. وعن ماذا أسئلها !

والدة بدر : أسئلها أي شيء يخطر ببالك ..

بدر : ولكن لا شيء يخطر ببالي الآن ولا أعتقد بأنهُ سيخطر على بالي شيء هناك !

والدة بدر : قم بسؤالها عن إذا ما كانت تريد أن تكمل دراستها في الجامعة .. أو أسئلها عن شيء لا تستطيع الأجابة عنه بكملة واحدة أو حديثٍ مختصر .. يجب أن تسمع صوتها يجب أن تستمع إلى مخارج الحروف لديها بنفسك ..

بدر في نفسهِ ” وكأنني لم أسمع ذلك من قبل ” ، يستعد بدر لذهاب إلى هناك .. حان وقت اللقاء .. لم يعلم بدر لماذا بدأ الأرتجاف يسكن أضلعه هل هو خوف أم أرتباك طبيعي .. يجلس بدر في المجلس وبجانبهِ والدتهُ وعمته .. لا يزال بدر طبيعياً يمزح قليلاً ويصمت قليلاً .. وفي منتصف حديث بدر مع عمتهِ يسمع بدر صوت مقبض الباب يُفتح ويرتفع صوت  صدى ضحكات طفلة هاربة .. تدخل الهنوف إلى الغرفة يصمت بدر تماماً .. يخرج أنفاسهُ دفعة واحدة .. يرتفع صوت الهنوف بستحياء وهي تلقي السلام عليهم .. ضحكاتٌ متبادلة بين والدة بدر ووالدة الهنوف .. تقدم العصير لبدر ولو أستطاعت أن تدور وجهها لناحيةٍ أخرى لفعلت من شدة الخجل .. يمد بدر يده ليختار العصير .. يمسك عصير البرتقال ثم يتركه ويذهب ليأخذ عصير المانجو ثم يضعهُ ويمد يدهُ مرةً أخرى ليأخذ عصير الفراولة .. كان بدر يحاول أن يضع الهنوف بموقفٍ محرج قليلاً .. والغريب أن قلق بدر وأرتباكهُ زال وكأنهُ لم يسكن بداخلهِ قبل دخولها .. أحس برتياحٍ تام وغريب بعد أن دخلت عليهم .. هي تماماً كما وصفتها والدته .. ولكنها كانت أكثر جمالاً بعين بدر .. صمتٌ يكسر جميع الحواجز .. يغتال ذلك الصمت عمة بدر ضاحكة : ألن تقوم يابدر بإكمال ماحدث معك ؟ أم أنك نسيت ما كنّا نتحدث عنه ؟ ..

بدر يبتسم : بالطبع سأكمل ، يصرف بدر نظرهُ عن الهنوف ويتابع حديثهُ مع عمتهِ بينما كانت والدة بدر تتهامس مع الهنوف .. ينتهي بدر من حديثهِ بستعجالٍ واضح .. ويعود ليغرس نظره على الهنوف ..

يتشجع بدر ويتحدث إلى الهنوف : كيف حالكِ يا الهنوف .. ؟

الهنوف بعد أن أستعدت لرد عليه : الحمد الله بخير .. كيف هي حالك ؟

بدر مبتسماً : الحمد الله لم أكن أفضل حالاً من الآن ..

يضحك الجميع وتطأطئ الهنوف رأسها مخفيةً تلك الابتسامة الساحرة التي رسمتها شفتيها .. ويسترسل بدر في الكلام بدون خوف ولا حتى تردد : سمعت بأنكِ تخرجتي من المدرسة .. ألف مبروك ..

الهنوف : وأنت أيضاً مُباركُ لك ..

بدر : هل ستُكملين دراستكِ أم أنكِ ستكتفين بالثانوية العامة ؟

الهنوف : بالطبع سأكمل دراستي ..

بدر : وأين تريدين أكمالها في أي جامعة ؟

الهنوف : لقد قمت بالتقديم في جامعة الدمام قبل يومين ..

بدر : ماشاء الله .. ومتى سوف تظهر النتائج ؟

الهنوف : لا أعلم ولكن أخبروني بأنه في حال قبولك ستستلم رسالةً على هاتفك .. وأنا لازلت أنتظر ..

بدر : سوف يقبلون بكِ فعلى حسب ما سمعت من أمي بأنكِ طالبة مجتهده ..

الهنوف تضحك : أتمنى ذلك ..

تقاطع حديثهم والدة الهنوف : أن تم قبولها في جامعة الدمام فنحن نخلي مسؤليتنا منها ستكون أنت يا بدر من يقوم بإيصالها إلى الجامعة كل يوم ..

بدر : وأنا في خدمتها في أي وقتٍ تريد ..

الهنوف : شكراً مقدماً لخدمتك .. سأكون أكثر حرصاً على عدم أزعاجك ..

بدر : بالعكس فأنا سعيد بذلك طالما أنني لم أتوظف بعد فأنا تحت خدمتك ..

الهنوف : بالحديث عن ذلك .. ألم تقم بعمل مقابلات شخصية

بدر : قمت بعمل مقابلات شخصية كثيرة بعضها جيبد وبعضها سيئ وبعضها لا بأس بهِ .. ولازلت أنتظر .. لدى يوم السبت القادم مقابلة في أحدى الشركات الكبيرة والتي أتمنى القبول فيها ..

الهنوف : أفعل ما عليك فعله ودع الباقي لله ..

تقاطعهم والدة الهنوف : بدر لم تشرب من عصيرك .. ألا تعلم بأن الهنوف هي من صنعتهُ بنفسها ..

بدر يضحك : حسناً ما بكِ يا عمة دائماً مستعجلة .. الآن سأشرب العصير ولن أبقي منهُ شيئاً حتى ترضي علي ..

تضحك الهنوف بينما كان بدر يشرب العصير برفق .. أرتفع صوت أذان العشاء فوجد بدر ذلك عذراً للخروج من هنا .. وبالفعل خرج من هناك بحجتهِ وبدافع أنه لا يحتاج وقتاً أكثر مما أخذهُ معها .. وفي اللحظة التي وطأت رجلهُ خارج منزلها أحس بمدى غبائهِ .. كان يحدث نفسهُ بأنها فرص لن تحدث طوال العمر الجلوس معها لأول مرةٍ كان من المفترض أن يكون أطول مما قد حدث والحوار الصغير كان يجب أن يكون أعمق مما حصل .. تذمر بدر حتى تعب من التذمر ولكن فرحتهُ برؤيتها قضت على تذمرهِ حتى مسحتهُ من على ملامح وجه بدر .. أدخل بدر يدهُ في جيبهِ وأخرج هاتفهُ اتصل غير مترددٍ على عمر ..

عمر : أهلاً وسهلاً بالحبيب .. حدثني كيف كان بدر هناك ؟

بدر يضحك : بدر كان غبياً لدرجة أنهُ أختلق عذراً للخروج من بيتهم بسرعة ..

عمر يضحك : أأنت أحمق ؟  لما فعلت كل ذلك ؟

بدر : أنا في قرارةِ نفسي لا أعلم .. ولكن يا عمر ما حدث كان أجمل شيء في حياتي كُلِها ..

عمر : لا تكمل حديثك أنا في طريقي إليك .. فمثل هذا النوع من الحديث يجب أن يكون وجهاً لوجه ..

بدر يضحك : حسناً أنا في أنتظارك ..

يعود بدر بذاكرتهِ القصيرة إلى مكان جلوسهِ أمام الهنوف .. تغمرهُ السعادة عندما يتذكر حديثها البسيط عن الجامعة وعن فكرة أنه من سيقوم بإيصالها إلى الجامعة كل صباح .. تمنى بدر لو أن غداً السبت وأنه أول يومٍ لدوامها في الجامعة ،

في يوم الجمعة وبعد الرجوع من الصلاة تنفرد والدة بدر بهِ وتقول له : ما رأيك بالهنوف ؟ هل أتخذت القرار أم تحتاج إلى وقتٍ أطول ؟

بدر : لا أعتقد بأنني بحاجةٍ إلى وقتٍ أطول فلقد أتخذتُ قراري ..

والدة بدر : وما هو ؟

بدر : أنا موافق ..

يرتفع صوت الفرح من لسان والدةِ  حتى سكن في جدران حجرة الهنوف التي أستقبلت الخبر بدموع السعادة ..

والدة بدر : ومتى ترغب في العقد عليها هل هناك تاريخٌ معين أم أنك تريد الأنتظار ؟

بدر : أعطني فرصةً لتفكير ..

والدة بدر : إلى متى .. حتى أقوم بالحديث مع أم الهنوف ..

بدر : حسناً .. غداً سيكون لديك الإجابة على سؤلك ..

يترك بدر يوم الجمعة بسرعة ويذهب دون أن يترك أي تفاصيل يود تذكرها ويذهب مسرعاً إلى يوم السبت بعد أن خرج من مقابلةِ الشخصية والتي أحبها وأحس برتياح لها .. وفي الطريق العودة إلى البيت تأتي رسالة على هاتف بدر تؤكد لهُ قبولهُ في أحد شركات ذات المستقبل الجيد .. يربط بدر هذا القبول بتفكيرهِ الجدي في تاريخ  كتابة العقد .. يعود إلى بيتهِ ليزف هذه الأخبار إلى والدةِ .. تقترح والدة أن يتم ذلك بعد أن يزاول بدر عملهُ .. فقط للحرص ولعدم الأستعجال .. يوافق بدر بل يؤيد تلك الفكرة ، وبعد أيام أحتار بدر فيها وأستخار إلى ربهِ طالباً العون في أتخاذ القرار وأختيار الوظيفة المناسبة .. وبعد أن عزم بدر على التقدم في حياتهِ وأن يصبح موظفاً رسمياً .. يجلس خلف مكتبهِ لأول يومٍ كمهندس .. يشرب الشاي ويتعرف على زملائهِ في العمل .. الكل بدأ في أعطاء بدر بعض النصائح المهمة .. الكل يريد مساعدة بدر .. أرتاح بدر لهذه الوظيفة وطريقة معاملة زملائهِ له .. ليس كل من في العمل معجب ببدر ولا بدر معجب بكل من في العمل أنما هناك فئة غلبت فئة .. بعد أن أستلم بدر أول مرتب من عملهِ قرر أن تكون كتابة العقد في هذا الأسبوع .. تحدث بدر مع والدةِ ووافقت ثم تحدثت بسرعة إلى والدة الهنوف والتي لم تمانع أبداً .. أستعد بدر ولبس مشلحهُ وتبخر وتطيب من أجمل أنواع العود .. وذهب مع أهلهِ وأخوتهِ وأصحابهِ إلى منزل الهنوف .. لا يزال الأرتباك هو أول شعور يسكن بدر منذ أن يدخل منزل الهنوف .. يجلس بدر بالمنتصف .. الكثير من الرجال يبتسمون له .. البعض لأول مرةٍ يراهم فيها .. والبعض مألوف لديهِ .. على يمين بدر والد الهنوف وعلى يسارهِ عاقد الأنكحة .. بعد خطابٍ قصير قالهُ عاقد الأنكحة أدار وجههُ محدثاً والد الهنوف وقال : أعد ما أقولهُ لك .. أنا .. بن .. زوجتك يا بدر بن .. أبنتي الهنوف على سنة الله ورسولهِ ..

يردد والد الهنوف ما قالهُ عاقد الأنكحة ثم يلتفت على بدر ويقول : قل يا أبني قبلت بذلك ..

بدر : قبلتُ  بذلك ..

عاقد الأنكحة : من سيقوم بالشهادة ؟

يتقدم عمر وناصر إلى عاقد الأنكحة مسلمين لهُ بطاقاتهم الشخصية ..

بعد الأنتهاء من كتابة العقد يقوم بدر بتقبيل رأس والد الهنوف ويقوم الجميع بالسلام على بدر و تهنئتهِ .. يرتفع صوت تغاريد الفرح يبتسم بدر عندما يسمع ذلك الصوت .. يتلذذ بدر بسماع هذا الصوت الذي أصبح رسمياً الصوت المعبر عن الفرح تماماً كطبول الحرب أو أحد التقاليد المشهورة .. ينصرف الجميع تاركاً بدر لوحدهِ في المجلس .. تدخل عليهِ والدةُ ووالدة الهنوف وفي كل منهما فرح لا يستوعب جسديهما .. يقف  بدر حائراً بين تلك القبلات التي أنهالت عليه من أمهِ ومن والدة الهنوف .. وماهي ألا لحظات حتى تدخل العروس إلى المجلس .. يبتسم بدر لها بعد أن جلست بالقرب منه ..

بدر : كيف حالكِ ؟

الهنوف : الحمد الله بخير .. كيف هي حالك ؟

بدر : الحمدالله ..

والدة الهنوف تتحدث إلى والدة بدر : تعالي معي هناك الكثير من الأمور التي أود أن أقولها لكِ ..

يبتسم كل منهما ويتركان الهنوف تغرق في خجلها ..

يأخذ بدر نفساً طويلاً ثم يقول : مُباركٌ عليكِ أنا ..

الهنوف تضحك : ومباركٌ عليك أنا أيضاً ..

بدر : أنتِ تعلمين بأن لا حد هنا معنا فلماذا أنتِ خجلة الآن ..

الهنوف : لا أعلم ..

بدر : حسناً أرفعي رأسكِ قليلاً كي أراكِ فقط ..

ترفع الهنوف رأسها وتنظر بسرعة إلى بدر ثم تنزل عينيها إلى الأرض ..

بدر : أخبرتني أمي بأنكِ جميلة .. وأخبرتيني أنتِ بذلك أيضاً ولكني لم أتوقع بأن تكوني بهذا الجمال ..

تبتسم الهنوف وتقول : أذكر الله كي لا أصاب بعين منك ..

بدر يضحك : لا أله ألا الله ..

الهنوف : أنت أيضاً أنيق كما عَهِدتُك ..

بدر : قولي لا أله ألا الله ..

الهنوف تضحك : لا أله ألا الله ..

بدر : أنا أنيق وأنتِ كما قلتِ لي ( أنيقة )

الهنوف تضحك : ألا زلت تذكر .. أنا نسيت ذلك ..

بدر : أنا لن أنسى ذلك أبداً ..

الهنوف : أعتقد بإمكانك الآن أن تناديني بأجمل من ذلك الأسم المستعار ..

بدر : أعتقد بأنني من اليوم سأناديكِ بزوجتي الحبيبة .

قصتي مع القدر .. ( 28 )

يحاول بدر متابعة مجريات الأحداث مع زياد والتي أصبحت كل همه الشاغل .. رد بدور على زياد كان صارماً مما أجبر زياد وبدر على التصرف بحكمة و حذر شديد .. فهو لا يريد أن يقدم على فعلٍ تكون ردة فعل بدور سلبية أو تكون مضاعفة فتتكسر كل أمالهِ .. الوقت سلاح لايملكهُ كلاً من بدر وزياد يجب عليهم أن يسرعوا ويأتوا بحل يوقف نزيف هذا الوصال .. مر على خصام بدور وزياد أكثر من أسبوع ولم يستطع بدر وزياد أن يفهموا ماجرى إلى الآن .. يعيش زياد حالة ذعر طوال الوقت .. يرتبك في داخلهِ ويهز صدرهُ بحرٌ من الظنون أمواجهُ غاضبة  شديدة السواد والعمق .. لم يعد يستطيع الأبحار إلى ميناء اليقين .. محاولاتهُ العدة حطمت أشرعة السفينه .. وألقت بقارب النجاة بين أمواجها التي أخذت تلعب بهِ كطفلةٍ لا تمل من اللعب .. يجلس بدر وزياد في محاولة لإيجاد حل ولو كان مؤقتاً ..

بدر : هي بالتأكيد غاضبةٌ منك إليس كذلك .. ؟

زياد : أحقاً هذا ما أستطعت أن تستنتجهُ !

بدر : أعطني فرصة ..

زياد : أسف .. تفضل

بدر : تذكر معي ماذا حدث قبل أخر مكالمة .. أي حوار أي رسالة أي شيء نستطيع أن نبدأ بهِ البحث ..

زياد يفكر ويرفع نظرهُ عالياً : لا أعلم فمنذ أن ذهب هي وحديثنا قليلٌ جداً ..

بدر : أنت أخبرتني بأنك لم تتحدث معها على الهاتف في عيد الأضحى .. إذاً كيف أستطعت تهنئتها بالعيد ؟

زياد : أخبرتك سابقاً برسالةٍ نصية ..!

بدر : وهل قامت هي بالرد عليك ؟

زياد : نعم ..

بدر : وكيف غفل عقلك عن نقطةٍ مهمة مثل هذه !

زياد : أيُ نقطة ؟

بدر : أسمع يا زياد .. أنت بإهمالك لها وبعدم اتصالك عليها في العيد لتُسمِعها صوتك أظن أن ذلك كان دافعاً كبيراً لتجاهلها ولصدها .. أنا لا أتهمك ولكن تخيل لو أن الأدوار بُدِلَت .. وأصبحت أنت من في الخارج ألا تظن بأنها ستقوم بالاتصال عليك لتسمع صوتك وتطمئن عليك خصوصاً بأنهُ أول عيدٍ يأتي بعد سفرك وبأنك وحيدٌ هناك .. كل عائلتك تحتفل في البيت وأنت وحدك هناك .. فما بالك بأنثى تراك أنت كل العالم وتفتقد أهلها وكل أصحابها في العيد وتظن بأنك ستقوم بتعويضها .. ورغم ذلك كلهِ لم تتصل ولم تسمع صوتك فكان العيد نكداً وحسرةً عليها .. وإذا كان ذلك أول عيد فكيف ستكون معها في وقت أختباراتها وفي وقت غربتها وفي الأعياد الأخرى .. و أظن بأنها أضطرت إلى أخذ قرارٍ حاسم وربما ساعدتها أحد صديقاتها في أخذ مثل هذا القرار والصمود معها أمام أهمالك المبالغ فيه .. ولا تنسى أنها في بلدٍ غريب ربما تقرب إليها أحد وأعجبت بهِ وأصبحت تقارنك به وربما … أنت تعلم ماذا يحدث

يقاطعهُ زياد بغضب : مستحيل .. لا يمكن أن تفعل بدور هذا .. أنا متأكد من أنها لن تقوم بعملٍ حقيرٍ مثل هذا .. ومن يستطيع أن يتقرب منها أو تعجب هي فيه !

يقاطع غضبهُ بدر : أنا لم أقل بأنها الآن مع أحد أخر أو أنها قد أُعجبت بشخص وحاولت نسيانك .. أنا فقط أضع أسوء الأحتمالات كي نكون على أستعداد  تام لأي ردةِ فعل قد تكون صدمة بالنسبة لك .. ونحن في ذلك لا نقول بأنها قد خانتك أو شيء من هذا القيبل نحنُ فقط نستعد .. وأريد منك أن تنتبه للسانك عندما تسنح الفرصة لتحدث معها لا أريد منك أن تذكر بأنها على علاقة بشخص أخر غيرك .. قم بحذف هذا الأحتمال عندما تكون معها على الهاتف في المرة القادمة ..

زياد : معك حق ولكن كيف ستكون البداية فهي لازالت غاضبة ولن أستطيع التحدث معها ..

بدر : ما رأيك بأن تقوم بمراسلتها فقط تكتب لها بعض الكلمات الجميلة وتضل على هذا الحال حتى تهدأ هي وتلين قليلاً ..

زياد : حسناً ولكن بالنسبة للرسائل فيجب عليك أن تقوم بمساعدتي .. أنا أملك البعض من الرسائل الجميلة ولا مانع في أن أخذ منك كذلك ..

بدر : حسناً ما رأيك بأن ترسل لها قصيدة ..

زياد : قمت بعمل ذلك في المرة السابقة .. بدر : نعم ولكن ما رأيك أن تكون القصيدة متكاملة تتحدث تماماً عن وضعك معها وعن الحال التي وصلتم إليها ..

زياد : لا أعلم ..

بدر : سوف أقوم بأرسال القصيدة لك وعليك أنت القرار ..

زياد : حسناً .

يبحث بدر عن قصيدة تتحدث تماماً عن ما يحدث مع زياد وبدور .. يجد بدر الكثير من القصائد ولكن بدر يريد أن تكون القصيدة مميزة ذات نغمة موسيقية عالقة في الذهن .. صعبة النسيان قوية المعنى والرسالة .. ويجد بعد بحثٍ طويل قصيدة لشاعر السعودي ” خلف المشعان ” أعجبتهُ كثيراً .. وكأن الشاعر قام بكتابتها من أجل زياد .. فهي تتحدث تماماً عن حالهم وعن حياتهم السابقة قبل أن يقع كل منهم في حب الأخر  وبعد أن وقع كل منهم في حب الأخر وعن التقصير والشوق بعد الهجران .. أرسل بدر القصيدة إلى زياد والتي أيضاً حازت على أعجابهِ كثيراً وقام هو بدورهِ بإرسالها إلى بدور .. تقول القصيدة :

مساء الخير ـ هالمرة ـ بلاش آسف على التأخير ..
مدام الرد بعيونك دموع فكل تأخيره ،
ثقل دم العذر ، والا كسح وجه الخطا تبـرير..
مدامك عارفه طبعي . أجل وشوله الحيره ،
ترى ماجيت لجل أسمع سواليفك عن التقصـير ..
أعرف أن الخطا مني ( بلاش نعيد هالسيره ) ،
أنا وأنتي بهالدنيا تحملنا بعضنا كثيـر ..
تعوّدتي على عنادي ، وصرت آحب هالغيره ،
أنا وأنتي حكايتنا مثل : صدر السما والطير ..
كثير اللي يطالعها ،، ولحدٍ طالها غيره ،
أنا وأنتي حكايتنا .. مثل لعبة ، وطفل صغيـر ..
 مع أنه دوم يهملها رفض يسمح بها لغيـره ،
أنا وأنتي .. وش أوصفلك ؟ عجز عن وصفنا تعبير! ..
 مثل ! مدري ! مثل وشو ! ولكن صعب تصويره ،
أنا وأنتي ـ بلاش أنتي ـ أنا ـ لو بفقدك شيصير ..؟
عليم الله لو ما أنتي فلا مريت هالديره ،
أحبك ؟ ايه أحبك .. ذي بعد يبغالها تفكـير ..
 يخلف الله على عقلٍ ملكتي كل تفكـيره ،
تعالي .. نحترم ( شيبة غلانا ) .. لعنبو التصوير!! ..
تعالي نغتنم فرصة لقانا دامها قصـيره ،
ومساء اللي تبيه أنتي ، على كيفك ( صباح الخير ) ..
أنا كل يوم بتأخر .. اذا في دمعتك خيره .
بعد أن قام زياد بإرسال القصيدة إلى بدور قام بالاتصال على بدر ..
بدر : السلام عليكم ..
زياد : وعليكم السلام .. كيف حالك ؟
بدر : الحمد الله .. ماهي أخر الأخبار ؟
زياد : لتو قمت بإرسال القصيدة ..
بدر : حسناً .. أسمعني جيداً وثق بي .. أريد منك أن تنسى ما فعلت قبل قليل !
زياد : أنسى أنني قمت بإرسال القصيدة لها ؟
بدر : نعم .. لا أريد منك أن تتوقع أي ردة فعل .. أريد منك أن تكون سلبياً .. نعم كن سلبياً هذة المرة .. لا تتوقع أي أتصال منها أو أي رسالة عتاب أو حنين .. لا تتوقع أي شيء .. فلا أريد منك أن تتحطم عندما لا تجد قبولاً سريعاً منها ..
زياد : وهل سوف تطول هذه المرحلة ؟
بدر : لا أعلم ولكن كما أخبرتك سابقاً توقع أسوء ما يمكنك ..
زياد : وهل ذلك يعني بأن أتوقع أنني لن أعود لها أبداً أنني سأظل هكذا طٍوال عُمري ..
بدر : لا أعلم يا زياد ولكن دعنا نضع كل ما بستطاعتنا ونتحلى بالصبر ..
زياد : لا أعلم يابدر .. فأنا لا أذوق النوم هذه الأيام وحالتي تزداد سوءً ..
بدر : ستعتاد على ذلك مع الوقت وسيجعل ذلك منك قلباً صبوراً ..
زياد : أستطيع أن أصبر ولكن ظنوني لا تستطيع أن تتركني لثانية واحدة .. في المرة السابقة قامت بالاتصال علي في نفس الليلة التي قمت بإرسال القصيدة لها .. لا أستطيع تخيل أن الأمر سيأخذ أكثر من لليلة ..
بدر : دع عنك هذه الأفكار فهي التي تهلك عقلك .. أذهب إلى سريرك وحاول الخلود إلى النوم ..
زياد : حسناً .. سأقوم بالاتصال عليك في حال … كما تعلم ..
بدر : حسناً .. مع السلامة ..
زياد : مع السلامة .
لم يستقبل زياد أي اتصال ولا حتى رسالة عتاب .. كان مستيقظاً الليل كلهُ تغفى عينهُ لدقائق ويعود للسهر .. مضى على تلك القصيدة أيام .. وهو لا يزال يتواصل مع بدر ويرسل لها بعض القصائد وبعض الكلام الذي مل من المبيت في داخله .. وهي كالجثة لا تحرك ساكناً .. لا تستجيب لشيء ولا ترفضُ شيء .. أصبح زياد يتمنى أن ترسل لهُ رسالةً تخبرهُ بأن يتوقف عن إرسال الرسائل لها فذلك يزعجها ! فقط ليتمكن من فتح حوارٍ جديد معها .. وفي أحدى الأيام قام بدر بالأتصال على زياد ليحيطهُ علماً بأخر الأحداث ..
زياد : السلام عليكم ..
بدر : وعليكم السلام .. كيف حالك ؟
زياد : الحمد الله ..
بدر : هل هناك … هل قمت  … !
يقاطعهُ زياد : لا لم يحدث شيء .. !
بدر : حسناً .. يجب أن نغير هذه الأستراتيجية .. أقترح أن تقوم بالاتصال عليها لسببين ! الأول .. ربما هي تريد منك أن تفعل شيئاً أكثر من الرسائل لتغفر لك ! والثاني أننا سنعلم ماهي نتيجة تلك الرسائل ومدى قابليتها لدى بدور .. ونكون على علم بأننا أجتزنا هذه المرحلة .. وفي النهاية سيكون لدينا جواب إما نعم أو لا .. وهذا ما نحتاج له .. لكي نستطيع أن نتصرف فيما بعد .. ونعالج الأمور ..
زياد : لاأعلم يا بدر .. أشعر بالممل من هذا الموضوع كلهِ ..
بدر : ماذا تقصد ..
زياد : فكرتك جيدة ومثيرة ولكني لا أشعر بالأرتياح نحوها ..
بدر : ألا تظن بأنها ستأتي بنتيجة ؟
زياد : نعم .. ولكن !
بدر : ولكن ماذا ؟ هل أنت خائف من رفضها ؟
زياد : بالطبع خائف ولكن ذلك ليس ما قصدتهُ ..
بدر : أذن ماذا !
زياد : لا أعلم ولكن ربما يجب علي التفكير قليلاً لبعض الوقت ..
بدر : حسناً .. ولكن عندما تتخذ القرار أخبرني بذلك ..
زياد : لا أظن بأنك فهمت ما أقصد ..
بدر : ماذا تقصد أذن !
زياد : أظن بأنني سأنتظر لبعض الأيام .. أفكر بأمر الاتصال .. وأتخذ القرار فيما بعد .. وربما لا أتخذ  شيئاً ..
بدر : ما بالك يا زياد؟
زياد : أظن بأنني أحتاج إلى راحة تامة .. أفرغ عقلي تماماً من كل شيءٍ لهُ علاقة ببدور ..
بدر : حسناً ولكن لا تتأخر في صنع ذلك القرار كي لا تتساءل هي لماذا توقف زياد عن إرسال رسائلهِ .. وربما تظن بأنك أستسلمت للبعد !
زياد : لا تقلق لن أتأخر كثيراً .. لكنني أحتاج وبشدة إلى مثل هذه الراحة ..
بدر : حسناً لك ما أردت ..
زياد : سأعلمك بكل شيء حينما أقرر ..
بدر : وأنا مستعد للوقف معك فيما ستقررهُ ..
زياد : أشكرك على تفهمك ..
بدر : أخبرتك سابقاً لا يوجد داعي لأن شكرني في كل مرة ..
زياد : حسناً .. إلى اللقاء ..
بدر : مع السلامة .
وبعد عدة أيام تكاسل فيها أهتمام زياد ببدور وحرص بدر على زياد .. وفي يوم الخميس بينما كان بدر يستمتع بنومهِ العميق .. يستيقظ بدر من نومهِ منزعجاً بسبب تلك الرسائل التي هطلت على هاتفهِ بغزارة .. يتفقد بدر هاتفهُ تحت الوسادة وفوق الطاولة فلا يجد شيئاً ويساعدهُ صوت الرسالة الجديدة وإذا بالجهاز مستلقياً على الأرض .. تزحف يد بدر إلى الهاتف بكل كسل ومشقة .. يبدأ بقرأتها .. الرقم ليس محفوظاً ضمن جهات الاتصال ولكن الرقم ليس بغريب على بدر .. يقرأ حروف الرسالة ” والله أعلم أنني أرسلت الكثير من الرسائل لك ولابد أنني أزعجتك ولكني أختلقتُ فرصة لأستطيع التحدث معك عبر الهاتف ولا أريد منها أن تضيع .. أشتقت إليك .. حبيبتك ” .. يعتدل بدر في جلستهِ ويضحك .. لايصدق ما يقرأهُ ! علامات التعجب زرعت في وجههِ مزارع من الأسئلة .. قام بسرعة بالرد عليها برسالة ” لابأس يا عزيزتي .. فرسالتك أجمل رسالةٍ تم أستلامها في جهازي .. متى تريدين مني أن أتحدث معكِ ؟ .. وأنا أيضاً أشقت لكِ ” يعود بدر لقراءة الرسالة وما أن شرع في الأنتهاء منها أتتهُ رسالةٌ من الهنوف ” هل أستطيع الآن أن أتحدث معك ؟ ” يفتح بدر مجال عينيهِ ليستوعب تماماً مايحدث معه ! أيعقل أنها هي ؟ وهل سوف أستطيع التحدث إليها الآن ؟ وبهذه السرعة ؟ ماذا سأقول ؟ لم أرتب شيئاً ! .. يسرع بدر بالأجابة ” نعم و لي الشرف ” لم يمضي على إرسالها دقيقة حتى ظهر رقم الهنوف على شاشة بدر .. كم هو جميلٌ رقم هاتفها .. يسرع في أقفال باب حجرتهِ ويعود إلى سريرهِ ويعتدل جيداً في جلستهِ ويستر جسمه بغطائهِ .. يأخذ نفساً عمياقاً ويضغط على زر الأجابة :
بدر : السلام عليكم ..
الهنوف بخجلٍ متوقع : وعليكم السلام ..
بدر : كيف حالكِ ؟
الهنوف : سعيدة جداً ..
بدر : الحمد الله ..
الهنوف : كيف حالك أنت ؟
بدر يرجف : أنا .. الحمد الله .. طالما أنتِ سعيدة سأكون أنا سعيد ..
يبدأ الصمت بالحديث ..
يقاطعهُ بدر : أتعلمي أنكِ أيقظتيني من أجمل نومٍ حظيت بهِ ..
الهنوف تضحك : مستحيل ! كُنتَ  نائماٍ إلى هذا الوقت المتأخر من النهار ؟
بدر يضحك : نعم .. العطلة يجب أن تستغل فيما ينفعنا أليس كذلك ؟
الهنوف : نعم .. لابد أنك كنت تسهر خارج البيت ولم تعد ألا آخر الليل ..
بدر : لم أعرف أنكِ تراقبيني ..
الهنوف : أنا أعلم كل شيء عنك .. لا تظن أن منذ فراقنا وأنا لا أعلم بماذا تفعل ماذا تأكل أين تذهب مع من تتحدث ..
يقاطعها بدر : كل ذلك .. من أين لكِ كل هذه المصادر ؟
الهنوف : لا دخل لك بذلك .. المهم هو أن حاولت اللعب يمينةً أو يسرى .. تأكد بأنني سأعلم بكل شيء تفعلهُ ..
بدر : هذا أول تهديد عبر الهاتف !
الهنوف : ولن يكون أخر تهديد ..
بدر يضحك : صحيح ! أريد أن أسألكِ .. أين أهلكِ وأين أختكِ المزعجة ؟ كيف أستطعتِ أن تهربي منهم وتتحدثي معي .. لابد أنهم في سبات عميق ..
الهنوف : ألم تعلم بعد !
بدر : أعلم بماذا ؟
الهنوف : أخذ أبي أمي وسافر بها إلى الرياض لديه أجتماع عمل هناك .. وسيبيتون هناك لمدة يومين .. وخيرتنا أمي أنا وأختي بين المبيت ببيت عمي أو بيت خالي .. حنين أختارت الذهاب إلى بيت عمي وأنا ذهبت إلى بيت خالي .. أنا الآن هناك في حجرة أبنة خالي ..
بدر : وهل تعلم هي بأنني أتحدث معكِ الآن ؟
الهنوف تتردد : بدر أرجوك لا تغضب مني .. ولكني أخبرتها بذلك
بدر : لن أغضب منكِ .. لن أكون بدر القديم .. سوف أستغل كل لحظة معك ..
الهنوف : شكراً لتفهمك ..
بدر : حسناً .. إلى متى أستطيع التحدث معك ؟
الهنوف : اليوم فقط .. لقد قطعت عهداً لها بأني لن أتحدث معك غداً كي لا تظل هي لوحدها .. ولعدم وجود المزيد من الأعذار لأقفال الحجرة علينا ..
بدر يضحك : حسناً .. أتفهم وضعكِ .. ولكن يجب أن أنهض من السرير وأغتسل وأغير ملابسي وأتناول شيئاً ..
الهنوف : أنا أيضاً جائعة مثلك !
بدر يضحك : حسناً أذهبِ أنتِ أيضاً لتأكلي شيئاً ..
الهنوف : حسناً ..
بدر : متى أستطيع الاتصال عليك ؟
الهنوف : عندما تنتهي .. قم بالاتصال
بدر : حسناً .. مع السلامة
الهنوف : مع السلامة .
يرقص بدر فرحاً ذاهباً ليغتسل والسعادة تقطر من رأسهِ حتى أصابع قدميه .. صوتها عاث حباً بذهنهِ وحطم كل ذكرى قديمهِ ليجلس على عرش أعز الذكريات .. غناء بدر الذي لم يسمعهُ أهلهُ منذ مدة عاد ليعلن للجميع حالة فرح أضطرارية .. يغتسل بدر ويقوم بتغير ملابسهِ .. لا يعلم بدر لماذا أرتدى أجمل ما عنده فهو لن يقابل الهنوف ! .. شهية بدر للأكل مفتوحة وكأنهُ لم يأكل منذ عام كامل .. بدأ يعود إلى عادتهِ القديمة يمزح مع ناصر ويقوم بضرب أحمد ضرباً خفيفاً .. وبينما كان بدر يوزع السعادة في أرجاء البيت قدمت إليه والدتهُ وقالت : يقولون بأنك سعيد اليوم .. ويرد بدر : أخذت ما يكفني من النوم .. ولا أملك أي موعدٍ يشغل بالي أو دراسة تضيق صدري .. فردت عليه والدتهُ : حسناً جميل .. أذن لامانع لديك من أن تأخذني إلى السوبر ماركت .. بدر يغص : متى ؟ ولماذا ؟ وكم سيطول ذلك ؟ .. والدتهُ : بما أن لديك متسعاً من الوقت سوف أجيب على أسئلتك في طريقنا إلى هناك ، يتسلل بدر إلى حجرتهِ ويرسل إلى الهنوف رسالة يخبرها بالموقف الذي وضع نفسهُ فيه .. فترد ” حسناً فقط قم بالاتصال علي عندما تعود وتسنح لك الفرصة ” ، يذهب بدر مع والدتهِ على عجالةٍ من أمرهِ يقود سيارتهُ وهو فاقد الوعي تماماً .. وجه بدر أصبح غريباً فهو لم يكف عن الابتسام للحظة .. تتحدث معهُ والدتهِ في الطريق .. ينجذب لحديثها ولكن سرعان ما تسرق الهنوف أنتباههُ ولتتسع أبتسامتهُ أكثر وأكثر ، يعود بدر من السوبر ماركت بعد صلاة المغرب ويدخل بيتهُ وكأنه دخل صالة أفراح .. يستأذن من الجميع ويغلق على نفسهِ باب حجرته .. يمسك هاتفهُ بيده اليمنى ويضحك .. يدخل إلى قائمة الاتصال ويوجه أصبعهُ إلى زر الاتصال وإذا بعمر يتصل به ..
بدر بنبرة عالية الفرح : السلام عليكم ..
عمر : وعليكم السلام .. ماذا يحدث لديك .. لما كل ذلك الفرح
بدر : لقد تحدثت مع الهنوف قبل قليل عبر الهاتف .. وكنت سأقوم بالاتصال عليها الآن ولكنك قاطعتني ..
عمر : أصحيح ماتقول ؟ .. ولماذا ؟ وكيف حدث ذلك ؟ ومتى حدث ذلك ؟
بدر : الكثير من الأسئلة التي لا أملك وقتاً للأجابة عنها ولكن الذي يجب أن تعرفهُ هو أنني لا أستطيع التحدث معها سوى اليوم فقط ولا أريد أن أضيع فرصةً مثل هذه ..
عمر : حسناً حسناً .. أريد أن أعلم بكل ما حدث بينكم عندما تنتهي ..
بدر : حسناً لك ذلك .. مع السلامة
عمر : أبهذه السرعة ستغلق الهاتف .. دعني أتحدث معك قليلاً ..
بدر يضحك : أنا على يقين بأن ذهنك خالي من الحديث .. أنت تريد أن تعطلني فقط ..
عمر يضحك : حسناً أذهب أبها العاشق الولهان ..
بدر يضحك  : حسناً مع السلامة ..
يسرع بدر بالاتصال على الهنوف قبل أن يقاطعهُ اتصال أخر ..
الهنوف بخجلٍ  : السلام عليكم ..
بدر : وعليكم السلام .. أعلم والله أعلم بأنني تأخرت ولكن لم يكن بيدي أي حيلة ..
الهنوف تبتسم : لا بأس .. لقد كنت أتابعك على ” تويتر ” ..
بدر يضحك : أرحميني قليلاً .. أستطعتِ حتى الوصول إلى ” تويتر” .. أعتقد أنني سأجدكِ غداً في أحد المحاضرات ..
الهنوف تضحك : لا تقم بتغيير الموضوع .. من هي الهنوف والتي تتابعها في “تويتر” ؟
بدر متعجباً : الهنوف !
الهنوف : أنا أريد أن أعلم هل أنت تتابعها لأن أسمها كأسمي ؟ أم أن فكرة “تويتر” تتضمن الشباب مع الفتيات ولا حرج في ذلك ؟ أم أنك لا تعلم بأنك تتابعها أساساً ؟ لا أقول أن بينكم شيئاً ولكني لا أحتمل فكرة أنك تتحدث مع فتاة أخرى فأنا أغار جداً
بدر : حسناً سأخبركِ بالحقيقة .. أنا لا أنكر أنني أتابعها ولكن سأخبركِ بالقصة من بدايتها .. عندما رأيت أسمها بدأت أرتجف وهي أيضاً تقوم بكتابة بعض الجمل الغزلية .. فمتابعتي لها ليست ألا مجرد تذكير بأسمكِ على شكلٍ غزلي جميل ..
الهنوف بصوتٍ خجول : الآن أرتحت ..
بدر يضحك : لم أعلم بأنكِ تغارين علي !
الهنوف : أن لم أشعر بالغيرة عليك فلماذا خلقت الغيرة !
بدر : أعتبر هذا غزلاً ؟
الهنوف تضحك : لا أعلم .. ولكن لك  الحرية في تصنيفه ..
بدر يضحك :  يا حبيبتي .. أطمئني لا توجد فتاة في العالم كلهِ تستطيع أن تلفت أنتباهي لها وأنتِ على هذا الكون .. وفي الحقيقة أنتِ لم تبقي لي عقلاً أفكر بهِ في غيركِ فلقد سلبتي كل ما أملك من تفكير وخيال وأحلام ..
الهنوف : لماذا حديثك المعسول يشعرني برغبة كبيرة في البكاء ؟
بدر : البكاء !! لماذا ؟
الهنوف : لا أعلم ..
بدر : حسناً لن أتغزل بكِ أبداً كي لا تدمع عينيكِ ..
الهنوف تبتسم : لا تقلق لم أبكي ..
بدر : الحمد الله .. حسناً سأقول لكِ شيئاً .. في المرة السابقة لم أستطع أن أميز صوتكِ والسبب هو خجلكِ أما الآن بما أنكِ هنا أريد أن أسمع صوتكِ وأريد منكِ أن تتحدثي ولا تتوقفي لأي سبب ..
الهنوف تضحك : حسناً لك ذلك .. ماذا تناولت من الطعام قبل ذهابك إلى السوبر ماركت ؟
بدر : هذا سؤال وليس حديثاً كنت أتوقع سماعهُ !
الهنوف : لا أعلم ماذا أقول ! أنت قم بالاجابة عن السؤال وسوف أجد شيئاً فيما بعد لنتحدث عنه ..
بدر : حسناً .. تناولت طبقين من الرز ولحمة ..
الهنوف : بالهنّا يا حبيبي .. أتلعم أنني أريد أن أخبرك عن أشياء كثيرة ولكن منذ أن سمعت صوتك كل تلك الأحاديث والمواقف هربت مني !
بدر : ولماذا هربت ألهذه الدرجة صوتي مرعب ؟
الهنوف : من قال بأن صوتك مرعب .. بالعكس صوتك حاد وجميل جداً ..
بدر : إذا بدأنا بالتحدث عن جمال الأصوات أظن بأنني سأتعب من وصف جمال صوتكِ العذب والذي يأسر أهتمام كل تلك الأشياء التي من حولي .. أتعلمين لو أن الأشياء التي حولي تسمع لتصنتت علينا من شدة رغبتها بسماع صوتكِ الجميل ..
الهنوف يحيطها الخجل : لا أعلم ماذا أقول لك .. فأنا لا أعرف كيف أصيغ الكلام الجميل مثلك .. أنت لا تتأمل من فمي سوى أحبك وأشتقت إليك ومشتقاتها ..
بدر : ربما لأنني أحبكِ أكثر من حُبّكِ لي ؟
الهنوف تدافع عن حبها العتيق : لا ليس ذلك هو السبب .. بالرغم من أنني أحبك أكثر بكثير مما أنت تحبني .. والدليل على ذلك بأنني وقعت في حبك منذ سنوات وأنت لم تكمل بعد حتى سنة واحدة
بدر : ولكنني إذا أحببت قلباً أحببتهُ بكل ما أملك من مشاعر .. وأن عشقت قلباً عشقتهُ بجنون ..
الهنوف تتمالك نفسها وتأخذ نفساً عميقاً : بدر أرجوك توقف عن الحديث هكذا فأن أكملت على هذا المنوال لا أعلم ماذا سوف يصيبني .. وأرجوك لا تتجرأ وتقول أنك تُحبني أكثر مما أنا أحبك فأنا لن أصدق ذلك .. أنا أحبك بشدة لدرجة أنني أخطأتُ في نطق أسمك مرتين أمام أهلي ..
بدر يضحك : حسناً لا تغضبي .. حبي لكِ يُكمل حبكِ لي هو كالدائرة لا تستطيع الأستغناء عن أي جزء حتى ولو كان بسيطاً .. حبي لكِ وحبكِ لي كالرقم واحد .. فالواحد يظل واحداً طِوال عمرهِ لا يزيد ولا ينقص ..
الهنوف : بدر أكرهُ أن أقول  لك ذلك ولكن يجب أن أذهب الان وبسرعة .. سأتحدث معك عندما أستطيع .. مع السلامة ..
بدر : حسناً .. مع السلامة .
يخرج بدر متأنقاً مع عمر الذي أصر على خروجهِ معه .. ويذهبون معاً لتناول طعام العشاء في أحد المطاعم الأنيقة مع بعض الأصدقاء .. وعندما بدأ الجرسون يضع أطباق الطعام على الطاولة أتت رسالةٌ على هاتف بدر .. أخرج بدر هاتفهُ وشهق ثم أغلق فمهُ بيده .. أنتبه الكل إليه .. بينما كان بدر ينظر إلى عمر ..  كانت الرسالة من الهنوف تقول لهُ فيها بأنها تنتظر منه أتصالاً .. أستأذن منهم بدر وخرج للأتصال على الهنوف ليخبرها بأنهُ سيتأخر قليلاً .. وبعد ثواني خرج عمر من المطعم ليشاهد بدر يتحدث إلى هاتفهِ .. فأقتحم عليهِ عُزلتهُ وقال بصوتٍ يعني الهنوف به : بدر لماذا وجهكَ محمّراً .. يضحك بدر ويقول للهنوف بأن المتحدث عمر وأنه يعلم بأنكِ من أتحدث معه الآن .. يتابع عمر حديثهُ المزعج لبدر وينهيهِ بإيصال السلام لها .. يقوم بدر بذلك ويخبرها بأنهُ لابد من أن يغلق الهاتف وألا جلب الشك لجميع أصدقائهِ .. يتناول بدر طعامهُ على عجالةٍ واضحة .. وبعد أن أنتهى قال لعمر : ألم تنتهي من تناول طعامك يا عمر ؟ الآن سأتأخر ! .. عمر : وماذا لديك لتتأخر عليهِ ؟ .. بدر يبتسم ويرغب بصفع عمر على وجههِ .. ينتهي عمر من طعامهِ ويسرع في الخروج من المطعم ملبياً لرغبة بدر .. وفي طريق العودة رن هاتف بدر وإذ بالرقم الهنوف يتراقص على شاشة الهاتف .. يرد بدر عليها : أهلاً حبيبتي ..
الهنوف : أهلاً بك .. أين أنت كل هذا عشاء ؟
بدر يضحك : أنا الآن في الطريق إلى البيت .. سأقوم بتغير ملابسي وبعد ذلك سأقوم بالاتصال بكِ ..
الهنوف : حسناً .. أنتبه إلى طريقك وقُدّ بحذر ..
بدر : حسناً .. مع السلامة ..
لأول مرةٍ يعود بدر فيها إلى بيتهِ والشوق إلى سماع صوت الهنوف قد تمادى .. لذة نبرتها لا تزال ترقص في طبلةِ أذنه .. سعادتهُ التي عادت إلى وضعها المجنون وبدت تزرع الأبتسامة بين ملامحهِ .. يعود بدر مسرعاً إلى بيتهِ .. وبعد أن أستعد تماماً للأحتفال بصوتها قام بالاتصال عليها معلناً لليلهِ أجمل سهرٍ سوف يحضى بهِ طوال عمرهِ ..
الهنوف : السلام عليكم ..
بدر : وعليكم السلام .. أعتذر على تأخري ولكني لم أتوقع أتصالكِ بهذه السرعة ..
الهنوف : لا داعي للأعتذار .. أخبرني إلى أين ذهبت وماذا حدث معك ؟
بدر : ذهبت إلى أحد المطاعم وتناولت طعام العشاء مع بعض الأصدقاء .. هل تناولتي طعامكِ ..
الهنوف : نعم قبل أن أرسل لك الرسالة ..
بدر: عن ماذا كنا نتحدث أخر مرةٍ ؟
الهنوف : لا أعلم تماماً .. أنتظر لحظة سأشرب القليل من الماء ..
يسمع بدر صوت العلبة البلاستيكية وهي  تقوم بفتحها  وتأخذ منها قليلاً فقط .. يسبح الماء في حلقها بكل سلاسة ورغبة في العبور .. يسمع بدر صوت ارتواء عطشها ..
الهنوف : هل بإمكاني أن أسألك سؤالاً ؟
بدر : بالطبع ..
الهنوف : لو طلبتُ منك أن تشرب الماء من العبلة التي شربتُ منها قبل قليل فهل سوف تمتنع ؟
بدر : ولماذا أمتنع .. بالعكس فأنا سوف أضع فمي تماماً على موضع شفتيكِ على العلبة ..
الهنوف : بدر لا أعلم ماذا أقول لك واللهِ أنني خجلةٌ منك .. فأنا لا أحسن الغزل مثلك ولو أحسنتهُ لأستطعتُ الرد عليك ..
بدر بستهزاء : وأنا أيضاً .. لا تأخذي مني غير هاتين الكلمتين أحبك وأعشقك فقط ..
الهنوف بغضب : ماذا تقصد ؟
بدر يضحك : لا أقصد شيئاً أنا فقط ..
الهنوف : أنت  تضحك علي .. بدر أنت تعلم أن هذا الشيء يؤلمني فأرجوك لا تتحدث عنه ولا تضحك عليه مرةً أخري ..
بدر : حسناً لكِ ذلك .. ولكن من الطبيعي أن أضحك عليكِ قليلاً وأنتِ كذلك تضحكين علي ..
الهنوف : نحن نحب بعضناً البعض ولا يجدر بيا أن نضحك على بعضنا ..
بدر : حسناً لكِ ما تريدين .. هل بإمكانكِ الآن أن تتحدثي عن نفسكِ قليلاً أخبريني ماذا فعلتي ماذا حدث معك مؤخراً .. تحدثي معي ..
الهنوف : حسناً .. اليوم ذهبت إلى السوق مع أبنة خالي وأستمتعناً كثيراً .. تناولنا الايس كريم وذهبنا إلى محلات العطور وأشترتُ عطراً جميلاً .. كنت أتمنى أن تتصل علي وأنا في السوق كي أتحدث معك هناك وأشعر بأنني أتسوق معك .. ولكنك كنت مع والدتك ..
بدر : لابأس المهم هو أنكِ أستمتعتي اليوم .. وبالنسبةِ لسوق فسوف تملين من الخروج إليهِ بصحبتي ..
الهنوف : لا أظن أنني سأمّلُ من فعل شيء تشاركني أنت فيهِ ..
يرن هاتف بدر معلناً اتصال عمر ليعلم أن كان بدر لا يزال يتحدث مع الهنوف يتجاهل بدر الاتصال ويعود إلى الحديث مع الهنوف ..
بدر : أخطأت عندما أخبرتُ عمر بأنني تحدثت معكِ .. هاهو الآن يتصل بي ويقوم بإزعاجي ..
الهنوف : تجنب اتصالتهُ ..
بدر : وهذا ما سأفعلهُ تماماً ..
يعود الصمت بينهما قليلاً فتحاول الهنوف جذب أنتباه بدر : بدر ..
بدر : عيون بدر ..
الهنوف : أحبك
بدر : وأنا أيضاً أحبكِ .. سأخبركِ بشيء ربما لا تعلمينهُ عني ..
الهنوف منتبهه بشدة  : ما هو ؟
بدر : أنتِ تعلمين بأنني أحبك وأعشقكِ ولكن الشيء الذي لا أظن بأنكِ تعلمين بهِ هو أنني لا أستطيع العيش بدونكِ ..
الهنوف تسمع تلك الكمات وتنبت في كل عين دمعة وفي كل نفس أختناق وفي كل خفقة قلب ألم .. تحاول ألهنوف أن تتماك نفسها وتعود إلى الحديث مع بدر ..
الهنوف : كن على يقين بأنك لو لم تكن تتحدث معي لأكملتُ هذه الليلة وأنا أبكي ..
بدر : لو أضطررتي للبكاء فسوف أترككِ وأغلق الهاتف ..
الهنوف : لا لاتذهب أنا مسيطرةٌ على نفسي .. أكمل حديثك لا تتوقف ….
نام كل من بدر والهنوف بعد أن أحس بدرُ بتعب الهنوف من الحديث والسهر .. لم تنتهي هذه الليلة بعد .. فالحديث بينهم لايزال يتحدث عن نفسهِ .. يتجول في القلب والشرايين .. ويتنفس في الصدر .. ويغفو تحت جناح الروح . الحب ميثاق بينهم والشوق عهداً قطعوه على أنفسهم .. كان ذلك أخر عهدٍ للوصال بينهم .. لم تقم الهنوف بمثل هذه المخاطرة مرةً أخرى ولم يستقبل بدر رسالةً منها تخبرهُ فيها عن مدى شوقها لسماع صوتهِ للمرةِ الأخيره .

قصتي مع القدر .. ( 27 )

ثلاثة أشهر مرت على بدر أيام مُرّه وأيامٌ لذيذة .. لم يعتد بدر على فراق الهنوف بعد .. بالرغم من أنقطاع أخبارها .. في تلك الأشهر كان بدر بئر الأسرار للجميع .. كان يعلم كل ما يحصل مع أصدقائهِ من مشاكل ومن مضايقات يمرون بها في حياتهم وخصوصاً العشاق منهم .. وفي عيد الأضحى عندما توقع بدر أن تكون هناك رسالة تهنئة بالعيد من الهنوف في ليلة العيد ولم يستلم منها سوى السراب وبعض الظنون المريبة .. جلس بدر في ليلة العيد أمام جهازهِ المحمول .. يترقب أي أشارة أي حركة أي تصرف مثير لشك .. ربما قد يجد خلف ذلك تلميحاً أو رسالة مخفية الحروف والمشاعر .. نام بدر بجانب جهازهِ منهك الفكر ومتثاقل الجفون وناسياً فرحة العيد .. أصبح بدر في هذا العيد يشاهد كل من حولهِ يبتسم بأحتراف .. وهو يقف كالأحمق لا يعلم لماذا يبتسم الناس من حولهِ .. أهناك شيء مضحك ؟ أم أن هناك أمر فاته فلم يستطع التأقلم معهم ؟ يشاهد الأطفال يلعبون فرحين غير مدركين الخوف الذي يمر بهِ والقلق الذي يسيطر على خلايا ذهنهِ المشغول .. يختلق الأعذار بسرعة فائقة ويجدد أملهُ بصعوبة بالغة .. فيقول تارةً أنه العيد بالتأكيد لم تستطع الخلو مع نفسها لأرسال رسالة تهنئة .. فالنساء في العيد يتزينون ويلبسون أجمل ما لديهم وذلك يأخذ وقتاً لا نستوعبهُ نحن الرجال .. وتارةً يقول لابد أنها أُنهِكت من تراكم تلك الواجبات التي عليها والروتين المربك .. وتارةً يغلبهُ ظنهُ ويقول ربما نست ! أمن المعقول أن تنسى وبهذه السرعة .. وتنسى من أنا .. حبيبها .. يصافح بدر الناس ويهنئهم بالعيد الذي لم يرى منه شيء حتى الآن .. وجودها في عيد الفطر كان من أجمل الأشياء التي تمنى الأعتياد عليها .. كل عام وأنت بخير كانت كل ما تطمح إليه عيون بدر .. فقط يريد أن يقرأها ويقرأ تحتها حبيبتك .. لا يريد رسالة طويلة ولا حديثٌ مكثف عن الحب والأشتياق ولا عن البعد والفراق .. القليل جداً من حروفها كان كفيلاً بهطول عيد أخر وسعادة أخرى على صدر بدر الضيق ، وجود زياد الذي يمر بمثل الوضع خفف عن بدر الكثير ، عودة ماجد إلى دبي لأكمال دراستهِ أثرت على الجميع ، عمر الذي قطع علاقتهُ مع قريبة الهنوف أكثر من مرة بالرغم من جميع محاولاتها العدة في أنجاح هذه العلاقة وتفهمها الكامل بأن العلاقة فاشلة لم تستطع منع نفسها من الأبتعاد عن عمر مما جعل عمر يقطع عنها جميع الطرق المؤدية له من وسائل أتصال إلى مواقع الأنترنت وبرامج المحادثات .. لم يستطع بدر الأستعانة بعمر وقريبة الهنوف للوصول إلى الهنوف .. فهو من أقنع عمر بأن الأنفصال أفضل حلٍ لهما .. كيف لهُ بأن يهز ذلك البعد من أجلهِ .. لم يصل بدر إلى هذه الدرجة من الأنانية ! .. أصبح بدر ساكن الحركة قليل الكلام بارد التصرف مثقل الهم مشغول البال مكسور الخاطر مجبوراً على التعايش مع هذا الوضع الكئيب .. تلاشت الابتسامة من قاموسهِ .. طعم الفرح الذي لم يذقه منذ مدة.. هو فقط يتذكر كيف كان طعمهُ عندما يصطنع السعادة أمام والديه وأمام الناس .. من يعرف بدر قبل دخول الهنوف إلى حياتهُ يُقسم على أن بدر لم يعد كما هو سابقاً .. أول أيام العيد هو يوم الرقص لدى بدر والمتعارف عليه من قبل أصحابهِ .. يخرج بدر مع أصدقائهِ متعباً من أصطناع الابتسامة .. يرقص عمر  أمامهُ وفي عيونه دعوة لبدر إلى الأنظمام معه .. يتجاهل بدر تلك الدعوة بكل غباء مختلق .. ويلتفت إلى زياد الذي يشاهدهم مبتسماً .. لا يعلم بدر أن كان زياد يشعر بالسعادة في داخلهِ أم هو مثلهُ تماماً .. يحاول بدر جذب أنتباه زياد وأشغالهِ عن الموسيقى والرقص بالحديث عن أي شيء لا علاقة له بالعيد أو بالحب .. بالرغم من مرور اليوم الأول وموت كل فرصة لأنعاش أملٍ جديد .. كان بدر على علاقة وثيقة مع هاتفهِ .. ففي كل نصف ساعة كان يتفقد رسائلهُ .. لم يمّل ذراع بدر من أخراج الهاتف وإرجاعهِ إلى جيبيهِ كل ما أختلى مع بنفسهِ .. ومع ذلك لم يجد بدر ما تمناه .. أيقن بدر بأن العيد مجرد أحد الحفلات التي يجب عليهِ أن يظهر أمام الناس بشكلٍ جيد حتى يقنع الجميع بأنهُ لا يزال على ما يرام .. ممثلاً السعادة والفرحة وكل ما يفعلهُ الأخرين .. يجب أن يتقمص شخصية الفرح بالهدية أو المتفاجئ بالحفلة عيد الميلاد .. يجب عليهِ أن يختلط مع البشر ويصافحهم بكل ودٍ وأمتنان .. وعليهِ أيضاً أن لا يتوقف عن التمثيل بالسعادة في كل دقيقة .. حتى يستطيع العودة إلى عزلتهِ الحزينة عندها بأستطاعتهِ البكاء أن شاء .. وياليتهُ يستطيع البكاء .. الدموع من الأشياء التي تصعب على الرجال أظهارها حتى وأن كانت مع النفس .. يُحَظر بدر خيال الهنوف ويجلسها أمامها بأجمل صورةٍ قد وضعها بدر في مخيلتهِ .. أنها العيد بالنسبة له .. يتحدث معها مستعيناً بتلك الأحاديث التي كان يتبادلها معها .. وينام وفي نفسهِ حلم عجز عن النوم .. في منام بدر الغير مخير بهِ تأتي الهنوف وتجلس بجانبهِ مسدلةً شعرها الأسود كما تخيلهُ بدر .. تضعهُ على كتفها الأيسر وتضع بين عيون بدر أنتباهها الكامل لحديثهِ الذي لم يتذكر منهُ حرف .. تبتسم هي لما قالهُ وتنزل على شفتين بدر أبتسامة من السماء .. يزحف الحنان من ذهن بدر حتى أصابع قدميه .. في يديها نقش من الحناء الخفيف والذي يضيف على جمال جسدها مظهراً لا يغري بدر بل يعذبهُ من شدة الجمالهِ .. يعلم بدر في عقلهِ الباطن بأن ما يشعر بهِ مجدر خدعة بصرية تخضع لها خلايا وأعصاب جسمه .. ويطلب من هذه الأعصاب والخلايا أكمال المنام وعدم التوقف لأي سببٍ كان .. صوتها الذي بدأ يغرد في أرجاء جمجمتهِ .. والذي فاق جمال أي معزوفة قد سمعتها البشرية .. كانت خجلة جميلة مهذبة عطوفة حنونة لطيفة ذواقةً لكل ما يسمى جمال خلاب .. عيونها العذبة كان لها حديثٌ أخر ورموشها وكحلها كانوا عطر هذا الحلم البنفسجي .. يستيقظ بدر متألماً من شدة الفرح بهذا المنام الجميل .. ويضع كل ما فيه من سعادة في يومهِ الجديد ويدس السعادة بين شفتيهِ كل حينٍ .. وعندما يفقدها أو يتعب منها يسترجع القليل فقط من منامهِ كي يستمد منه السعادة .. فهو لا يريد أن يمضى هذا المنام بسرعة .. أخذ بدر يعيد سيناريو ذلك المنام ببطئ شديد كما لو أنهُ طفل لا يريد الأنتهاء من الحلوى التي بين يديه ، في كل يومٍ جديد كان  بدر يكره الأنتظار أكثر .. يحسب بدر بأصابع يدهِ الأيام المتبقة لدخول السنة الجديدة والذي يوافق تماماً يوم ميلاد الهنوف اليوم الذي سيسمع فيهِ صوتها .. دون رقيبٍ أو حسيب .. دون أن يكترث لما حولهُ من الأشياء التي يصطنع الأهتمام بها عندما تتحدث مع أختها الصغرى فيسمع صوتها.. سيسمع منها كل ما أشتهت أذناه أن تسمع .. سيستمتع بكل حرص إلى خفقان قلبها النشيط بحبها له .. سيغرق في حيائها ويموت منهِ .. يتخيلها بدر جالسةً فوق سريرها .. مغلقةً عليها حجرتها .. عينها اليمنى لا تغفل عن عقارب الساعة .. وعينها اليسرى تتفقد كل لحظة هاتفها .. خيال بدر الذي يصور لهُ كل تلك التفاصيل الدقيقة يجهل تماماً ما سوف يحدث فهو فقط يقوم بتسلية بدر .. يتخيلها بدر في حال أتصالهِ عليها .. تفزع عندما تسمع صوت الرنين فيزداد وجهها جمالاً .. لا تصدق ما يحدث أمام عينها فتعيد قرأه الرقم أكثر من مرة .. وتدرك بأنها إلى الآن لم تجيب على الهاتف .. تمد أصبعها الأبيض والنحيل لتجيب عليهِ بكل خوفٍ وأرتجاف بدأ يهز كل عظمة في جسدها .. رغبتها بسماع صوت بدر لم تستطع السيطرة عليها .. تلك الرغبة الجديدة تلك التجربة الجديدة هذا الطريق المغري هذا السبيل اللذيذ الذي طالما حلمت بالوصول إليه .. اليوم هاهي تحقق أحد أحلامها .. تكسر حاجز الخوف لديها .. تحطم كل تلك المخاوف والظنون التي كانت تمنعها من سماع صوت حبيبها .. لا يحق لأحدٍ الفرح في هذا اليوم ! فكل ذرات الفرح تسابقت لحجز مقعد في قلبها .. لا يحق لأحد في هذا اليوم الحديث عن الحب ! فكل ما ينتمي للحب في هذا اليوم أصبح ملك شفتيها .. لا يحق لأحدٍ ممارسة العشق ! فكل ما يسمى بالعشق أصبح بين كفيها ، وفي صباح اليوم المنتظر .. يتجهز بدر لأدخال السرور على قلبهِ الذي تشبع بعداً وشوقاً .. يحظر بدر في نفسهِ أي حديثٍ يستطيع أن يفتتح بهِ الكلام أي كلمة و أي نبرة صوت .. لم يحدد بدر المكان الذي سوف يتصل بها .. فهو لا يريد مكاناً يستطيع الوصول إليه أحد أخوتهِ أو أي كائن يتنفس على هذه الكرة الأرضية .. يقرر الذهاب إلى سيارتهِ ويقفل الباب على نفسهِ .. وينظر إلى شباك الهنوف .. متأكداً بأنها تنتظر عقارب الساعة .. كان موعد الأتصال المتفق عليه من الرابعة والنصف حتى الخامسة .. نصف ساعةٍ فقط لا أكثر من ذلك ولا أقل .. وفي تمام الساعة الرابعة والنصف يخرج بدر هاتفهُ .. وينظر إلى شباكها .. يفكر هل يجب أن أنتظر قليلاً ربما لم تستعد بعد .. ربما كان الهاتف بيد أختها أو والدتها .. لا يرى أي حركةٍ في غرفتها .. الشك بدأ يأخذ مكاناً كبيراً هنا وأصبح حجمه أكبر من السابق .. القلق والخوف شفتان بدر .. لا يعلم بدر سبب أرتجاف يديه .. رغم أن الجو رطب .. ورغم كل تلك القطرات التي تساقطت من جبينهِ .. أتخذ بدر القرار و اتصل بها .. تأخذ الهنوف نفساً عميقاً كي ترتب أنفاسها .. وتجيب بصوتٍ نحيل بالكاد يُسمع : أهلاً ..

فيجيب بدر : مرحباً بكِ ، تسقط عندها كل خطط الدفاع لدى الهنوف وتغرق كل أنفاسها فلا تستطيع أن تتنسم .. يدرك بدر أنها خجلة فيبدأ بالكلام والسؤال عن الحال ..

فيقول لها : كيف حالكِ اليوم ..؟

وتجيب : عندما سمعت صوتك أصبحت بألف خيرٍ ونعمة..

يضحك بدر ويجيبها : الحمد الله على ذلك .. كل عامٍ وأنتِ بخير ..

فترد والرجفة تسيطر على لسانها : وأنت بخير يا حبيبي ..

يسوّد الصمت ويختفي الحديث .. لا يسمع بدر سوى صوت أنفاسها المسرعة يبدأ بدر بالحديث المتلعثم : آه .. حسناً .. أريد أن أقول لكِ .. أنني منذ أن رحلتي وأنا لا أنام ألا على خيالكِ أو حديثكِ .. مشتاقٌ لكِ بحجم السماء .. و  ( تردد ثم قال ) أحبكِ .. الهنوف لا تزال صامتة لسانها عُقِد وتفكيرها تشنج .. جرائتها هربت منها منذ أن قامت بالرد على بدر .. يتفهم بدر تماماً ما تمّر بهِ الهنوف ويشرع بإنهاء الاتصال .. فيقول : حسناً سأذهب الآن كي لا أسبب لكِ المشاكل ..

تسرع الهنوف بالتحدث : لحظة أنتظر ..

بدر يشدهُ الأنتباه ويضع كل تركيزهِ في هذه اللحظة : ماذا ؟

الهنوف تتردد وتقول فرحة يسكنها الخجل : أُحبك ..

يستمع بدر لما قالت فترتسم على شفتهِ أبتسامة حب و ولع : وأنا أكثر .. أنتبهِ لنفسكِ يا حبيبتي ..

الهنوف تلفظ أنفاسها : وأنت أيضاً يا حبيبي ..

بدر متسرعاً : مع السلامة أذن ..

الهنوف بصوتٍ يرغب بالتحدث أكثر وخجلٍ يرفض أكمال الاتصال : مع السلامة .. يغلق كل منهما سماعة الهاتف .. الهنوف بدون تفكير تقوم بتقبيل هاتفها وتظمهُ إلى صردها بقوة .. عيناها تغرقان من الدموع السعيدة .. بدأ القلق والأرتجاف بالأختفاء مع الوقت ولكن نبض قلبها لم يهدأ أبداً .. لم تستطع النوم في تلك الليلة لم يشد أنتباهها شيء في ذاك اليوم .. كل ما حولها يقول لها مستعيناً بذاكرتها وبصوت بدر الذي لن تنساه ( أحبك .. أحبك .. أحبك ) كانت كالصدى الذي يردد نفسه .. كالعطر الذي لم تمل من  رائحتهِ .. لم تنعس الأبتسامة في وجهها الجميل ولم تتعب من الضحك المستمر عندما تكون لوحدها .. كل ما تحدثت مع كائن أخر هرب بها بالها إلى تلك المكالمة .. كل من قال لها كل عامٍ وأنتِ بخير تذكرتها بصوت حبيبها .. تستغرق في الرد على تلك التهنئة قرابة الدقيقة وأحياناً أكثر .. صوت بدر الذي بدأ يتجول في جسدها ساكناً بالقلب ومتمرجحاً بالشرايين ومتسابقاً بين العروق و الأعصاب مستحوذاً كل مافي الصدر من مساحة .. أما بدر الذي لم يحرك ساكناً من أمام منزلهِ ولم يقم بفعل شيء سوى التذمر ! نعم كان يتذمر .. ما كان يجب عليه أن ينهي المكاملة .. خيالهُ السابق خلق لهُ حديثاً أعمق من الذي حصل بينهما .. وطرح الحب في أرضهِ ليصبح عملةً متداولة بينهما .. خجلها الذي غفل عنه خيال بدر كان أكبر بكثير من الذي في ذهنه .. لم يسمع منها كلمةً واحدة تقف بجانب ( أحبك ) تأزرها وتسلب منها الأنظار قليلاً .. وتسرق منها تعب تفكير بدر وتضع بين يديها بعض الراحة .. كان بدر طموحاً أكثر مما يجب .. كان يرغب بحديثٍ طويلٍ بعض الشيء أو لمدة كافية يستطيع فيها تخزين كمية كبيرة من صوتها في ذهنه ويضعها في أعلى خزائن ذاكرتهِ .. ربما غياب الهنوف عنه زاد الأمل والطموح في خاطرهِ .. ليصبح جشعاً لا يقتنع بالقليل .. لا يتذكر بدر من تلك المكالمة سوى أنفاس الهنوف الحارة التي كادت تحرق سماعة الهاتف لديه .. أرتباكها واضح مما جعل بدر يعذرها قليلاً .. ولكن ! بدر يرغب بالقليل أيضاً .. أدرك بدر أن بستطاعتهِ الجلوس هنا والتذمر طوال اليوم أو بأمكانهِ الخروج والفرح بهذا اليوم السعيد الذي طالما أنتظرهُ .. والذي لابد من أن يُستغل مهما كانت نتائج المكالمة .. فهو يستحق بعض السعادة والفرح .. غياب العيد والفرح وحظور النكد والهم في الأيام الماضية كان كفيلاً بصنع قرار حاسم مثل هذا .. خرج بدر وأتصل على كل من عمر وزياد لفرحوا معهُ في هذا اليوم .. وفي السيارة كان بدر يفكر في أخبارهم بما حدث معهُ قبل قليل .. وما أن تذكر المكالمة حتى ضحك دون أي سبب يراه زياد وعمر ..

عمر : ما أضحكك ؟

زياد : أخبرنا ما الذي يُضحكك ؟

بدر يفكر في الأنسحاب : لا شيء .. فقط تذكرتُ شيئاً ..

زياد : أنت أضعف الناس في الكذب .. ملامحك تقول أن هناك شيئاً ..

عمر : هيا أخبرنا .. ليس هناك أسرارٌ بيننا أليس كذلك يا زياد ..

زياد : نعم .. قل ولا تخف ..

بدر : حسناً .. اليوم كما تعلمون هو اليوم الأول لهذه السنة .. وهو أيضاً يوم ميلاد الهنوف ..

يضحك عمر وزياد وخلف تلك الضحكات ألفُ  سؤال ..

يسرع بدر بالحديث : لا حاجة إلى الألحاح الكثير سأخبركم بما حصل معي ..

عمر : الحمد الله أنك تدرك ذلك ..

بدر : حسنا .. عندما كنت أتحدث معها بعد عيد الفطر أخبرتها بأنني أرغب بأعطائها هدية بهذه المناسبة .. ولكنها رفضت ! فقررت أن تكون الهدية مجرد أتصالٍ سريع مني .. ووافقت على هذه الفكرة بل أحبتها .. وأتفقنا على أن أقوم بالاتصال عليها من الساعة الربعة والنصف إلى الخامسة .. أنتظرت هذا اليوم بفارغ الصبر .. وها هو هذا اليوم السعيد قد أتى .. قمت بالاتصال علهيا لأسمع لأولِ مرةٍ صوتها بوضوحٍ شديد ..

زياد : ألم تسمع صوتها من قبل ؟

بدر : بلى ولكن ليس كنقاء تلك المكالمة وصفائها .. أجابت هى علي وقالت أهلاً بصوت خجلٍ جداً .. وقلتُ لها : مرحباً بكِ .. كنتُ أرغب بسماع صوتها أكثر كنتُ أريد منها أن تتحدث ولكنها أصرت على الصمت والخجل .. فقلت لها : كل عامٍ وأنتِ بخير وأنني مشتاقٌ لكِ وأنني لازلتُ أحبكِ .. أزدادت سرعة تنفسها للهواء بل كانت صاخبة جداً من شدةِ توترِها .. لم أسمع منها شيئاً .. فتصرفت بغباءٍ شديد وأخبرتها بأنني سأغلق الهاتف كي لا يتسبب هذا الاتصال بمشاكل لها .. فقالت خائفة بكل رغبة تعتريها : وأنا أيضاً أحبكَ .. أستمتعت إليها بكل حرص .. حفظتها عن ظهر قلبٍ وذاكرة وخيال وكل تفاصيل قد تنتمي إليها بصلة ما .. لم أستطع أن أخفي سعادتي فضحكت قليلاً .. وأكملتُ رغبتي الغبية بأغلاق الهاتف .. وهذا ما حدث معي ..

عمر يضحك ويقول : هل نبارك لك أم نهنئُك على هذه الخطوة ؟

زياد يضحك : بل نحتفل معه في هذا اليوم العظيم ..

بدر يضحك ويخجل قليلاً : ليس هناك أي داعٍ لفعل كل ذلك .. كل ما أهتم بهِ قد حصل سابقاً وأنا الآن سعيد ..

زياد : أنا قررت عدم الأستماع إليك .. اليوم سنحتفل بهذه المناسبة شئت أم أبيت ..

عمر : وأنا معك يا زياد ..

بدر : حسناً أنتم من أراد ذلك ولستُ أنا ..

يحتفل بدر في هذا اليوم السعيد بكل ما يحمل في داخلهِ من حزن وسهر طويل وتفكير عميق كان يدسهُ في جسده سابقاً .. ينتهي هذا الأحتفال بعودة كل منهم إلى بيته .. يستعد بدر لأكمال هذا الأحتفال بطريقتهِ الخاصة والتي تعزز من حب الهنوف وتزيد من أشتياقهِ السعيد لها ولتقرب منها .. فهو مؤمن بأنها الآن مستلقيةٌ على سريرها لا تغادرها البهجة تفكر كثيراً وكثيراً جداً فيما حدث حتى تتعب ويغلبها النعاس لتدخل في عالم الأحلام السعيدة ببدر .. أما بدر كان يستمتع بسماع تلك الأغنية ألتي أهدتها أياه في الماضي .. ترقص عليها قطرات دمهِ وتترنح فيها كبدهُ والرئتين ويَطربُ فيها عقلهُ محلقاً بهِ إلى سماءٍ عالية تزداد أرتفاعاً كلما واصل بدر في التحليق .. يقطع ذلك الكرنفال الذي يحتفل به بدر اتصالٌ من زياد .. يستغرب بدر من زياد فلقد كان معهُ قبل قليل .. بدأ القلق بدر يقوم بواجبهِ .. يسرع بدر بالأجابة عليه

بدر : السلام عليكم ..

زياد : وعليكم السلام ..

بدر : كيف حالك ؟

زياد : الحمد الله .. بدر هل أستطيع القدوم إليك ؟

بدر : ماذا ! .. نعم بالتأكيد ولكن هل كل شيءٍ بخير ؟

زياد : نعم أطمئن لا داعي إلى القلق ..

بدر : حسناً أنا في أنتظارك ..

زياد : وأنا في طريقي إليك ..

بدر : حسناً مع السلامة ..

زياد : مع السلامة .

يغلق بدر سماعة الهاتف ويغلق معها الكرنفال الخاص بهِ .. ويحول أهتمامهُ إلى زياد ونبرة صوتهِ .. هل يجب علي القلق ؟ صوت زياد لم يكن طبيعياً أبداً .. لابد أن هناك مصيبة قد حدثت .. لا أعلم ماذا قد يكون في جعبة زياد من أخبار سيئة .. ألا أستطيع أن أكمل يوماً واحداً وأنا سعيد غير مكترثٍ لكل تلك الهموم والظنون اللعينة .. هكذا كان بدر يتذمر في كل شيء دون حتى أن يعلم ما سبب اتصال زياد .. يستقبل بدر اتصالاً من زياد يُخبرهُ بأنهُ في الخارج وأنهُ في أنتظارهِ .. يخرج بدر ويجلس بجانب زياد الذي أبتسم في وجههِ مما جعل بدر مرتاحاً بعض الشيء وزرع أحتمالات وجود أخبار سعيدة وليست حزينة .. يقود زياد سيارتهُ بعيداً عن الحي الذي يعيش فيه بدر .. وبعيداً عن الازدحام السكاني .. لم يطق بدر الأنتظار فبدأ بالكلام ..

بدر : ألن تقول لي حتى إلى أين نحنُ ذاهبين ؟

زياد : إلى أي مكان .. لا أنوي الذهاب إلى مكانٍ معين ..

بدر : حسناً .. متى سوف تقوم بأخباري سبب هذه الرحلة المفاجأة !

زياد : بدر أنت تعلم أنني لا أملك أحداً أستطيع أخبارهُ عما يحدث معي صحيح ؟

بدر : نعم .. أخبرني ماذا حدث ؟

زياد : قبل أن أبدأ يجب أن تعلم أنني فكرتُ ألف مرةٍ قبل المجيئ إليك وأخبارك بالقصة .. فقط لأني أعلم أنك تستحق القليل من السعادة ..

بدر : زياد أخبرني وأترك عنك هذا الكلام .. بدأت تقلقني ..

زياد : ربما تعلم وربما لا تعلم أنني منذ أن سافرت بدور إلى الأردن وعلاقتنا في أنخفاضٍ شديد لا أعلم ما السبب .. حديثنا أصبح قليلاً جداً .. ولا يحمل الكثير من المشاعر فقط بعض الأخبار وبعض المستجدات .. وتدهورت علاقتنا حتى أنعدم الاتصال بيننا .. وقبل أيامٍ  حاولت الاتصال بها أكثر من مرةٍ ولكنها لم تجب على أي أتصالات ولا على أي من رسائلي !

يقاطعهُ بدر : حتى في عيد الاضحى ؟

زياد : لم أتصل عليها في عيد الاضحى قمت بتهنئتها برسالة فقط .. ومن بعد ذلك أصبحتُ قلقاً أن كانت تواجه مشاكل أو أن كانت طريحة الفراش أو كانت تحتاج إلى أحد يقف بجانبها في أي شيء أنا لا أعلم عنه شيءً .. وبعد عشاء اليوم حاولت الاتصال بها وهذه المرة قامت بالاجابة على الهاتف وياليتها ما فعلت ذلك ..

بدر : لماذا ؟ .. ماذا بها ؟

زياد : بدأت تعاتبني كثيراً وتقول لي بأنها كانت تتعمد تجنب اتصالاتي .. وأنها سئمت مني وتطلب مني عدم الاتصال بها مرةً أخرى .. أنا يا بدر وقفتُ كالأبلهِ تماماً لا أعلم ماذا أقول وماذا يجب على فعلهُ .. وكأنها لم تتحدث لي أبداً بل قامت بصفعي مراراً حتى أستوعبت صفعها لي .. وأنا الآن لا أعلم ماذا أفعل فأسرعتُ بالاتصال عليك ولا أعلم لماذا فعلت ذلك أيضاً ..

بدر : لابد أنها كانت غاضبة مما حدث في الأونة الأخيرة وذلك ما جعلها تتصرف هكذا وبهذه الطريقة .. لكي تقوم أنت بالتودد لها والتقرب لها أكثر حتى ترضى هي وتبسط لك يد الوصال من جديد ..

زياد : ذلك ما ظننتهُ في البداية ولكنها قالت لي يابدر بالحرف الواحد ” أريد منك أن تنساني وتنسى أنهُ كان في حياتك أمرآة أسمها بدور “

يصمت بدر من هول ما سمع ومن شدة وقعهِ المؤلم على أذن زياد الذي أصبح يقول تلك الكلمات بكل غباءٍ مؤلم ..

بدر : والآن ماذا ستفعل ..؟

زياد : لا أعلم ! ولكنني سأتصرف وكأنني لم أسمع ما قلتهُ لي .. وسأتحدث معها لاحقاً وأفهم منها لما كل هذا الصد والجحود .. أن كنتُ أخطأت في السابق فهناك متسع من الوقت لغفران وأثبات جدية رغبتي في وجودها في حياتي ..

بدر : حسناً وسأحاول أن أجد مبرراً لتصرفاتها وأن أستطعت سأحاول معرفة طريقة أخرى للوصول لها أو لأرضائها وأرجاع الأمور إلى سابقها ..

زياد : سأكون شاكراً لك .. لا أعرف ماذا سأفعل لو لم أقم بأخبارك منذ البداية ..

بدر : كف عن التحدث بهذه الطريقة فنحن أصدقاء ولم تخلق الصداقة عبثاً ..

زياد : حسناً سأتركك الآن وأن أتتك فكرة أو رأي لا تتأخر في الاتصال بي ..

بدر : كن على ثقة بأنني سأحاول بكل ما أملك من طاقة وجهد ..

زياد : وأعتذر على قدومي المفاجئ وغرز همومي في نهاية يومك السعيد ..

بدر : أخبرتك بأنهُ لا يوجد أي داعي لتحدثك بهذا الأسلوب ..

زياد : حسناً .. أنتظر منك أتصالاً ..

بدر : أن أستطعت أن أجد شيئاً جديراً بالاتصال بك ..

زياد : حسناً مع السلامة ..

بدر : مع السلامة .

يعود بدر إلى حجرتهِ التي كان يحتفل بها .. ويحمد الله على بقاء الهنوف حبيبةً له .. ويحاول التفكير وعصف ذهنه لمساعدة زياد في تلك المصيبة التي أوقع نفسهُ بها ، الحب غريب جداً .. ففي لليلة واحده يولد حب ويطير حب ويتزوج حب ومرض حب ويُسعف حب ويصاب حب ويموت حب .. إلى الآن لم يفهم كل من عاش الحب السبيل إلى أرضائهِ هل هو الخضوع له أم التذلل له أم الوقوف ضده أم القتال بجانبه .. وكل من أتخذ سبيلاً يراهُ مناسباً وقع في منتصف طريقهِ .. منهم من يكمل المسير ومنهم من يعود أدراجه ومنهم من ينتظر أجلهُ .. زياد وبدر يقفون الآن بمنتصف الطريق ولا يعلم كلٌ منهم هل سيكمل الطريق أم يعود أدراجهُ .. وأن أكمل الطريق هل سيكملهُ مع من أحب أم مع قلبٍ أخر .. أم يموت الحب في معركة بين الوصال والصد .

قصتي مع القدر .. ( 25 )

تقع أعين زياد على أعين بدر الخائفة .. لم يستطع بدر فعل شيء فهو يقف كالصنم أمام زياد لا يستطيع أن يرجع ولا يستطيع أن يدخل إلى السيارة لأن .. ففي دخولهِ سوف يحتاج إلى تفسر كل حرف قراءهُ زياد وهو مالا يُريد أن يفعله بدر .. يرجع زياد الورقة داخل محفظة بدر ..  تعلوا في وجهه  زياد ابتسامة لا يعلم بدر ماذا تخفيهِ تلك الابتسامة .. يفتح بدر باب السيارة مرتبكاً ويأخذ محفظته متجنباً النظر إلى زياد .. يذهب بدر ليجلب الماء الذي أصبح في أشد الحاجةً له من زياد .. يعود بدر غير مستعجلٍ يجلس بجانب زياد الذي تغيرت حالتهُ وأصبح هادئاً بشكلٍ مُريب .. يقود بدر سيارتهُ دون أن ينطق بحرف .. أفكار بدر تلتهم ما تبقى من ذهنٍ يُحسن التصرف في مثل هذه المواقف .. يتهور بدر ويقول لزياد : حسناً سأخبرك بالأمر كلهِ ولكن عليك أن تقطع عهداً بأن تتكتم على الأمر بسريةٍ تامة ..

زياد يبتسم وكأنهُ أنتصر في حرب : أعدك بذلك ..

بدر : حسناً .. في البداية ….

يعّود بدر إلى الخطوات التي كان يتخذها في أخبار عمر بما حدث .. لاحظ بدر تغيراً في الأسلوب وراحةً غريبة لم يشعر بها مع عمر .. كان خجلاً عندما أخبر عمر بأنهُ يُحب الهنوف إما زياد فكأنهُ كان فخوراً بنطق تلك الحروف .. لم يخجل ولم يتردد في أخبار زياد عن أصغر التفاصيل وأدقِها .. أستوعب بدر في منتصف الحديث بأن الروح التي أمامهُ تستشعر ما ينطق بهِ قلب بدر قبل أن تحاول فهمه .. وأدرك أن زياد ما هو ألا نسخة مما كان يخوضُهُ بدر سابقاً .. فلقد أحب زياد بدور كما أحب بدر الهنوف .. ولقد مّرَ بفراقها وتألم كما تألم بدر .. كما يتشارك زياد وبدر الهدف نفسه فكلٌ منهم يريد أن يتزوج من حبيبته ولا مجال أخر لحديثٍ غير ذلك .. أصبح زياد يتحدث مع بدر عن تفاصيل كان يُخفيها عنه .. تشابهت التفاصيل والأحداث وأرتفع في حنجرة كلٍ منهما ما يكفي من الضحك والقهقهات .. شعر بدر في ذلك الحديث بأن زياد تخطى مرحلة الصداقة وأصبح ينافس عمر في قلبهِ .. زياد الذي لم يكن يملك سوى  بدر الذي يضع على كتفهِ رأسهُ ويبكي .. أصبح من أحد القلوب المقربةِ جداً إلى بدر .. تعود البهجة على ملامح زياد الذي أصبح يشعر بأنهُ لن يكون وحيداً بعد اليوم وأن هناك من سيقف بجانبهِ .. بدر لم يتوقف عن الحديث أبداً أصبح يخبر زياد بأمورٍ كان يخجل أن يقولها أمام عمر .. يقاطع حديث بدر الشيق اتصال من عمر على هاتف بدر ..

عمر : السلام عليكم يا جميل ..

بدر : وعليكم السلام يا ..

عمر : جميل !  تستطيع أن تنطق بها ..

بدر يضحك : حسناً يا جميل .. كيف هي حالك ؟

عمر : الحمد الله .. وأنت ؟

بدر : بخير ..

عمر : لدي مفاجأة لك !

بدر : اللهم أجعلهُ خيراً .. ماذا لديك ؟

عمر : ما الذي تستطيع تذكرهُ عندما أقول لك هذا الاسم ” ماجد ” ؟

بدر متحمساً : ماجد .. الذي كان معنا في أيام الدراسة ؟

عمر : تماماً .. لن تصدق ما سوف أقولهُ لك .. أنا في طريقي لاصطحابه من المطار ..

بدر : هل أنهى دراستهُ في دبي ..

عمر : لا ولكن لديه أجازة ليست بطويلة فقرر العودة إلى الشرقية والمكوث معنا ..

بدر : المكوث معنا .. ولماذا .. أين عائلتهُ ..؟

عمر : لم يعودوا بعد من رحلتهم في الخارج ..

بدر : حسناً هذه أنباء سارةٌ جداً .. وأين سيبيت ..

عمر : في منزلي طبعاً ..

بدر : ولماذا لا يبيت في منزلي .. ؟

عمر : لقد قررتُ أنا مسبقاً .. ولن أتناقش معك في هذه الأمر .. ما أريدهُ منك هو أن تتصل بزياد وبقية الشباب وتخبرهم بأن يأتون إلى منزلي لنتناول طعام العشاء ..

بدر لم يعلم ما سبب أخفاء أمر زياد الذي يجلس بجانبهِ  : حسناً لك ذلك .. سأخبر زياد والبقية ..

بعد أن أغلق بدر الهاتف ..

يسرع زياد بالتحدث معه : هل عاد ماجد من دبي ..

بدر : نعم وعمر في طريقهِ إلى المطار لاستقباله ..

زياد : هذا خبرٌ مفرح ..

بدر : عمر قام بدعوتنا لتناول طعام العشاء في منزلهِ ..

زياد : حسناً لنذهب ونستعد لهذا العشاء فأنا لم أتناول طعام الغداء ووجبة عشاءٍ في بيت عمر هبة نزلت من السماء ..

بدر يضحك : حسناً .. ولكن تحلى بالصبر ..

يعود بدر إلى بيتهِ بعد أن أعاد زياد إلى منزلهِ ويقوم بالاتصال على عمر ..

بدر : السلام عليكم ..

عمر : وعليكم السلام ..

بدر : أريدُ أن أسألك .. هل بإمكاني أن أبيت في منزلكم طيلة فترة جلوس ماجد .. وأن لم يكن هناك متسعاً فعليك أنت وماجد القدوم إلى منزلي فهناك متسعٌ كبير لكم ..

عمر يضحك : حيلةٌ جيدة لتخطف ماجد مني .. ولكن ماجد لن يبيت في مكان أخر .. وأن أردت المبيت في منزلي أنت وزياد ومن أراد من الشباب فلكم كل الحرية ..

بدر يضحك : حسناً سأقوم بأخبار زياد .. هل وصلت طائرة ماجد ؟

عمر : ستصل بعد دقائق ..

بدر : حسناً .. أريدُ أن أسألك هل تحدثت مع قريبة الهنوف ..؟

عمر : لا ولن أتحدث حتى أكون مستعداً .. غير أن هذا الفراق الصغير قد يساعدها في تقبل الفكرة ..

بدر : أحسنتَ صنعاً .. ولكن لا تتأخر عليها أكثر من أسبوع ..

عمر : لا تقلق عندما يذهب ماجد سأتصرف معها ..

بدر : حسناً .. هل بإمكاني أن أطلب منكَ طلباً ..

عمر : تفضل ..

بدر : أريدُ أن ترسل سلامي إلى الهنوف عبر قريبتها وتقوم بسؤالها عن حالها .. أريد أن تحيطني علماً بأي شيءٍ يخصها .. أريد أن أسمع ماذا كانت تفعل ماذا حدث معها بعد فراقنا كيف كانت تتحمل هذا البعد .. هل هذا كثيرٌ .. ؟

عمر يضحك : حسناً لك ما تريد ..

بدر : ما الذي يضحكك ؟

عمر : لاشيء ..

بدر : تحدث ؟

عمر : لا شيء .. فقط حديثك و اهتمامك أمر يجب أن أعتاد عليه ..

بدر يضحك : هل أصبحت تغار منها ..؟

عمر : أنا ! ولماذا ؟

بدر : لا أعلم أسأل نفسك ذلك ؟

عمر : لا يوجد هناك أي داعي فأنا أعرف الإجابة .. لقد وصل ماجد سأتحدث معك لاحقاً .. مع السلامة ..

بدر : مع السلامة ..

يتصل بدر فوراً على زياد ..

بدر : السلام عليكم ..

زياد : وعليكم السلام  .. سأكون مستعداً بعد ثلاثين دقيقة ..

بدر : حسناً .. ولكني اتصلت عليك لأخبرك  ..

يقاطعهُ زياد : تخبرني بماذا ؟

بدر : أن كنتَ  ترغب بالمبيت في منزل عمر طوال فترة وجود ماجد فلك الحرية في ذلك ..

زياد : وهل ستبيت أنت هناك ؟

بدر : بالطبع سأفعل ..

زياد : ومن غيرك أيضاً ؟

بدر : لا أعلم ..

زياد : حسناً .. سأحتاج أكثر من ثلاثين دقيقة ..

بدر : فقط قم بالاتصال على هاتفي عندما تكون مستعداً ..

يذهب بدر وزياد وبعض الأصدقاء إلى منزل عمر .. حيث ينتظرهم ماجد .. ماجد صديق دراستهم الذي سافر إلى الأمارات العربية المتحدة لإكمال دراستهِ في دبي تحديداً .. لم يرى ماجد أصحابهُ منذ سبعة شهور تقريباً .. ماجد أبيض البشرة مقبول الوجه يمتلك القليل من الوزن الزائد .. ذكي جداً ولكنهُ متخاذل .. يعيش هنالك لوحدهِ في شقة والدهِ التي يمتلكها .. يدرس الهندسة الكيمائية .. متهور لا يحسب حساباً لأحد .. لم يستطع مرةً أن يتمالك نفسه في لحظات غضبهِ .. خجول جداً .. محترم وأنيق وذوقهُ رفيع .. يشرب الدخان لينفس عن نفسهِ فقط فهو لم يُدمنهُ بعد .. إما ” الشيشة ” فكانت شيئاً أساسياً في حياتهِ .. يقع ماجد بين عمر وبدر فهما أقرب أصدقائهِ ، بعد أن كان للعناق والبهجة حضور طاغي .. أصبح ماجد هو سيد المجلس .. فلقد كان الجميع صامتاً يستمعون له عن قصصهِ وعن دراستهِ وعن الحياة في دبي .. لا مجال للجد بينهم فالمزاح كان سيد المكان .. تدور الذكريات القديمة خلف أذهانهم فتجدهم يضحكون على ذكرى قديمة وعلى موقفٍ طريف حصل لهم في أيام الدراسة .. تلك الأيام التي كان الشغب فيها كل تفكيرهم .. كانوا في كل يومٍ يخرجون سويةً ويعودون سويةً .. لم تكن المدرسة سوى لقاء سريع بينهم .. وقبل أن يذهب الجميع إلى صالة الطعام مد عمر يدهُ ممسكاً بهاتفهِ إلى بدر ليقرأ رد الهنوف عليه ( وعليكم السلام يا حبيبي .. أنا بخير يا قلبي  فقط عندما تصلني رسالة منك مباغتة كهذه .. حاولت كثيراً أن أصمد أمام بكائي ولكنني دائماً ما أفشل .. أفكر بك بين اللحظة والأخرى .. مشتاقة لك كثيراً أكثر من كل شيء في العالم .. أحبك يا قلبي ويا حياتي ويا نور عيوني ويا روح جسدي ) .. قرأ بدر تلك الكلمات وخرج من ذلك المجلس قلباً وفكراً .. تلاشت تلك الضحكات المتصاعدة في المجلس بثواني .. سرقت الهنوف روح بدر المهتمة بماجد وبحديثهِ .. عيون عمر تلاحق شفتين بدر التي انسجمت بأعجوبة مع هذا الجو وكأن شيئاً لم يكن .. عيون بدر التي اتسعت بسرعة كبيرة لتتمعن في تلك الحروف المهاجرة إليه .. والتي تحمل في أحضانها الكثير من الحب المعتق .. رسالة الهنوف لبدر كانت مصدر سعادة جديدة لحياة بدر وأمل كبير عليه أن يتشبث بهِ .. بدأت ترتسم على شفتين عمر ابتسامة تحملُ عنواناً جديداً .. أرجع عمر هاتفهُ إلى جيبهِ وقال بصوتٍ عالي : العشاء جاهز تفضلوا ولا تخجلوا فاليوم يوم فرح .. أليس كذلك يا بدر ؟ .. يسمع بدر أسمه ويرفع رأسهُ ليشاهد الجميع ينظر إليه وكأنهم يعلمون بأمر الرسالة .. يتلعثم بدر ويقول غير مدركٍ : نعم صحيح ، يضحك عمر وفي داخلهِ رغبة بالصراخ لما يحصل لبدر .. يذهب الجميع ليتناولون طعام العشاء ويكملون حديثهم .. بينما كان بدر يكمل سلسلة التفكير بالهنوف .. حب الهنوف القوي بدأ يستعيد نشاطهُ في عقل بدر .. يتوقف بدر لحظة احترام لما قالتهُ ” أفكر بك بين اللحظة والأخرى ” ما أجملها من كلمات .. أيملك الحب هذه السلطة الجبارة التي تحول كل الكلمات إلى حدائق وأنهار وروائح جذابة ؟ .. أيستطيع أن يسرق مننا العمر دون أن نعلم بأنهُ أنقضى ؟ .. يتناول بدر طعامهُ ممثلاً انسجامه الكامل بهذه الوجبة اللذيذة .. الذي لم يستطعم لذتها بتاتاً .. ينتهون من تناول طعام العشاء ويعودون إلى المجلس ليتناولون الشاي وبعض الحلويات .. كلما مر الوقت كلما بدأ العدد يقّل .. ينسحب الجميع من منزل عمر ويبقى بدر وزياد وماجد .. يغيرون ملابسهم ويستعدون لنوم في المجلس أمام التلفاز الصامت يجلسون كل واحدٍ منهم يستلقي بجانب جهازهِ المحمول .. تتصاعد الضحكات وتختفي بين الحين والأخر من حديثهم عن أيام الطفولة .. يتمرد عمر ويسأل ماجد عن الفتيات التي معه بالجامعة وكيف يتعامل معهم بما أنهن أجنبيات وهو طالبٌ  سعودي .. يبدأ ماجد بالتحدث …

في البداية أنتم تؤمنون بقدراتي الفاشلة كشاب سعودي خجول .. ولكن طريقة العيش هناك مختلفة جداً بشكل مرعب .. لدي الكثير من الأصدقاء من دول الخليج والذين كانت على يدهم بداية ما سوف تندهشون لسماعه .. في الجامعة هناك الكثير من الفتيات الجميلات .. ليس كالجمال الذي يأتي إلى أذهانكم الآن .. جمالٌ طبيعي .. جمالٌ عربي .. جمالٌ لطيف ورقيق وجذاب .. لا أنكر أن لباس الفتيات هناك لم يكن محتشماً .. الملتزمة فقط من تضع حجاباً .. إما بقية الفتيات حدث ولا حرج .. لو كان نظام جامعة يسمح بكل أنواع الملابس .. لرأيت بعضهن يأتين بملابس فاضحة لا تتماشى حتى مع ملابس السباحة .. وفي بداية السنة الجديدة دائماً ما يكون هناك الكثير من الفتيات الجدد .. هنا قررت أن أصطاد أحداهن مصطلح أصطاد لم يكن غريباً فهو تماماً ما يحصل هناك .. أن تأخرت لن تجد أي فريسة لك .. وذلك لكونهم جدد لم يسبق لهم أن تعرفوا على أي شابٍ من قبل .. حدث ذلك بعد ضغط شديد من أصحابي .. وقفت أنا وأصحابي عند باب التسجيل والقبول وأعيننا لا تفارق الممر .. نترقب قدوم فتاتي التي لم أرها بعد .. أخبرتُ أصحابي ببعض المواصفات التي أريدها .. وكان الكل يبحث بجدٍ وأمانة .. وبينما كنا نبحث دخلت هي إلى القسم .. تماماً كما أريد .. بيضاء ليست طويلة وليست قصيرة .. محجبة .. فلا أريد فتاة طائشة وغير ملتزمة .. كما أنني أريدها محترمة .. يشع من وجهها النور .. لا تضع الكثير من الزينة .. خجولة لا تنظر في أعين أحد .. تائهة لا تعلم أين تذهب .. أخبرت من كان بجانبي أنها هناك .. فقال لي أي واحدة منهم فهم كثرُ .. قلت لهُ : ذات الحجاب الأزرق .. قال لي : هيا أذن ماذا تنتظر أذهب وتحدث لها .. فقلت لهُ : بهذه السرعة .. ماذا سأقول لها .. فقال لي : نعم قبل أن يذهب غيرك ويتحدث معها .. أخبرها أن كانت تحتاج إلى مساعدة أو دليلٍ يساعدها على إيجاد ما تحتاجه .. وذهبت وأنا أرتجف .. لم تنظر إلي أطلاقاً وأنا من كان يحصر نظرهُ بين تقاسيم وجهها الناعم .. تقدمت وأخبرتها تماماً كما قال لي صاحبي وتجاوبت معي .. كان ارتباكي واضحاً .. لم أكن مرتبكاً بسبب أنها كانت أول فتاة أتحدث معها وأنا في قلبي نية التقرب لها .. ولكن بسبب صوتها الخجول ورغبتها بالتخلص مني لظنها بأني أحد الذين حاولوا التقرب منها سابقاً .. ولكني أصريت على مساعدتها .. أصبحت أتأخر عن بعض المحاضرات من أجل أن أشاهدها تدخل إلى المحاضرة .. وفي بعض الأحيان أتغيب عن المحاضرة بسبب تأخرها فأكون واقفاً أمام باب المحاضرة قلقاً أسأل الكل عنها .. وعندما تأتي تستغرب من وجودي في هذا الوقت وتقول لي لماذا لم تذهب إلى محاضرتك .. فأقول لها وكيف أذهب وأنتِ لا تكفين عن التأخر .. فتقول لي وما شأن تأخري بغيابك .. وأقول لها : كيف أذهب للمحاضرة وبالي لا يكف عن القلق عليكِ .. أرجوك لا تتأخري مرة أخرى كي أستطيع الذهاب إلى محاضراتي .. تضحك قليلاٍ وتدخل إلى المحاضرة .. وهكذا حتى استطعت أن أحصل على رقم هاتفها ..

يقاطعهُ بدر ويقول : لحظة تمهل .. أخبرنا ما هو أسمها ومن أي بلد هي وما هو تخصصها ؟

يضحك الكل موافقون على كلام بدر و يحاول ماجد التهرب من كل تلك الأسئلة : لن أقو م بأخباركم كل شيء عنها ..

يَصّر عمر ويقول : حسناً أخبرنها باسمها فقط ..

يقاطعهُ بدر : ومن أي بلد فقط لا نريد أكثر من ذلك ..

زياد : ثق بي لن نقوم حتى بمقاطعتك ..

ماجد : حسناً أسمها لمى .. وهي من قطر .. تبلغ من العمر تسعة عشر عاماً ..

يضحك زياد : لم نقم بسؤالك عن عمرها ..

يضحك بدر و عمر على ماجد الذي أستوعب مُتأخراً ..

ماجد : حسناً .. هذه هدية مني تقبلوها  ..

عمر : بالتأكيد سنتقبلها وبكل صدرٍ رحب ..

بدر : حسناً كفاكم ضحكاً .. أكمل أكمل ماذا حدث بعد أن حصلت على رقم هاتفها ..

ماجد : أصبحتُ أرها كل يوم .. في الجامعة بين المحاضرات وفي وقت الفراغ وفي مطعم الجامعة .. أصبح كل من في الجامعة يعلم أنني صديق لمى .. وخارج الجامعة لم أطلب منها أن تأتي إلى شقتي .. ولكن كُنتُ أراها في المقاهي والمطاعم .. نذهب لوحدنا إلى السينما لنشاهد أحد الأفلام .. وعندما يصبح المكان مظلماً تقترب مني وتضع رأسها على كتفي وتمسك بيدي طِوَال فترة الفلم .. كانت هناك بعض المضايقات في الجامعة .. عندما حاول أحدهم التقرب إليها أكثر من مرة وحاولت هي أن تخفي أمر هذا الشخص علماً بأنهُ يعلم أنني صديقها .. وفي يومٍ من الأيام قَدِمّت إلي تشتكي منه .. كان ذلك الشخص من قسمٍ أخر ولم يكن معي في القسم .. تتبعتهُ خارج الجامعة أنا وثلاثة من أصحابي .. حتى توقف عند المنزل الذي تقطن فيه لمى .. عندها نزلت أنا وقمتُ بضرب شباك السيارة .. فتح هو باب السيارة ونزل منها .. لم أتمالك نفسي ولم أستطع حتى النطق بحرفٍ واحد في البداية قمتُ بضربه حتى طرحتهُ أرضاً بينما كان أصحابي يحاولون أبعادي عنه وبينما كانت لمى تشاهد هذا الموقف في الطابق العلوي من شباكها .. وعندما أبعدوني عنه أخبرتهُ بكل ما أملك من غضب ” أن اكتشفت في يومٍ من الأيام أنك حاولت فقط حاولت أن تتحدث معها أو أن تمر بجانبها أو أن تمر على الطريق الذي تسلكهُ هي أو تحاول مطاردتها أو تعبر في هذا الشارع صدقني لن يكون هناك أحد سيمنعني من تهشيم وجهك ” .. ابتعد قليلاً  ثم هرب إلى سيارتهِ .. وقامت هي بالاتصال علي بعد دقائق .. ابتعدت عن أصحابي قليلاً وأجبت على الهاتف ..

لمى بنبرةِ خوفٍ واضحة : هل أنت بخير ..؟

ماجد : نعم لا تقلقي علي أبداً ..

لمى تبكي : الحمد الله .. لو أعلم أنك كنتُ ستقوم بضربهِ لما أخبرتك بالأمر كلهِ ..

ماجد : لو لم تقومي بأخباري لاستمرت مضايقاتهُ لكِ ..

لمى : ولكني لا أريد من أي أحد أن يصاب بأذى ..

ماجد : لا تهتمي بهِ فهو لم يتألم كثيراً والفضل لأصحابي ..

لمى : كان بإمكانك أن تتحدث معهُ بكل عقلانية ..

ماجد : ما حدث قد حدث .. ما أريدهُ منكِ الآن أن تقومي بأخباري أن قام بمضايقتكِ مرةٍ أخرى ..

لمى : حسناً .. هل أنت متأكد بأنك على ما يرام ..؟

ماجد : نعم لا تقلقلي علي .. أنتبهِ لنفسكِ جيداً سأراكِ غداً في الصباح ..

لمى : حسناً .. مع السلامة .